مقالات وآراء

حين يصبح الصمت شهادة: امرأة سودانية تفضح حربًا منسية للعالم

عبدالعزيز أبو عاقلة

ليست هذه صورة لامرأة تجلس في غرفة هادئة بلندن، ولا لقطة جمالية لثوب فيروزي يتماهى مع الضوء والظل، بل وثيقة إنسانية مكتملة الأركان. صورة تختصر حربًا بأكملها في ملامح وجه واحد، وتنقل المأساة من هامش الأخبار إلى مركز الضمير. هنا لا يظهر السودان بوصفه خبرًا عاجلًا أو رقمًا في تقارير النزوح، بل كذاكرة حيّة، وكجرحٍ ينظر إلينا بصمت ويطالبنا بالاعتراف.
تجلس ليلى مدني في لحظة تأمل عميقة، يدها تسند خدها، ونظرتها لا تواجه العدسة مباشرة، كأنها تنصرف عن الحاضر لتحدّق في زمن آخر لم ينتهِ بعد. في هذه النظرة تختلط النجاة بالفقد، ويصير البقاء نفسه عبئًا أخلاقيًا. إنها ليست نظرة من انكسر، بل نظرة من رأى أكثر مما ينبغي، وعاد ليحمل ما رآه معه إلى المنفى. في هذا الصمت المقيم على ملامحها، تسكن حكايات مدن مهدّمة وبيوت خلت من ساكنيها، وأصوات لم يعد أحد يسمعها.
الثوب الفيروزي الذي ترتديه ليس تفصيلًا عابرًا، بل علامة مقاومة بصرية. لون يستدعي الماء في بلد يلتهمه العطش والحريق، ويستحضر السلام وسط زمن تحكمه البنادق. في هذا التناقض بين نعومة القماش وقسوة التجربة، يتجسد حال المدنيين العزّل في السودان: بشرٌ أُلقي بهم في أتون حرب لم يختاروها، فصاروا عالقين بين موتٍ سريع وحياةٍ مؤجلة. الجمال هنا لا يزيّن الألم، بل يفضحه، ويجعله أكثر حدّة وإيلامًا.

ليلى مدني ليست مجرد موضوع لصورة فائزة في جائزة Portrait of Britain 2025، بفي اللملكة المتحده بل سيرة كاملة تتقاطع فيها المنفى بالحرب، والعمل الإنساني بالنزوح القسري. وُلدت ونشأت وتعلمت في السودان، واستقرت في لندن منذ تسعينيات القرن الماضي، وأسست وقادت منظمات وجمعيات دعمت النساء السودانيات والأقليات العرقية. ثم في عام 2023، وجدت نفسها عالقة داخل السودان مع اندلاع الحرب، لتعيش تجربة نزوح جديدة بعد عقود من مساندة الآخرين. المفارقة قاسية حدّ الفضيحة: من كرّست حياتها لتخفيف آلام الناس، صارت واحدة من ضحايا المأساة ذاتها.
وإذا كانت هذه الصورة تمثل وجه الناجين، فما بال أولئك الذين لم تمنحهم الحرب حتى ترف النجاة؟ ماذا عن ملايين النازحين في معسكرات اللجوء، الذين ينامون بلا جدران، يلتحفون السماء غطاءً، ويتخذون من الأرض فراشًا؟ هناك، في العراء الكامل، يُعاد تعريف الإنسان إلى حدّه الأدنى: جسدٌ هشّ يفاوض الليل على البقاء، وأمّ تحصي أبناءها مع كل فجر خوفًا من أن تكون الحرب قد سرقت أحدهم أثناء النوم. في تلك المعسكرات لا يُقاس الزمن بالأيام، بل بعدد الوجبات الغائبة، ولا تُقاس الحياة بالأحلام، بل بالقدرة على الصمود ليومٍ إضافي. هؤلاء هم الوجه غير المرئي للصورة، الغائب عن العدسة والحاضر في كل ظلٍّ ثقيل تحمله هذه الملامح الصامتة.
اختيار صورة «ليلى» من بين آلاف المشاركات لتُعرض على الشاشات الرقمية العملاقة في الشوارع الرئيسية ومحطات القطارات والباصات ومراكز التسوق في عموم بريطانيا، ليس حدثًا فنيًا محضًا، بل فعل أخلاقي وسياسي بامتياز. حين تمرّ الجموع اليومية أمام هذا الوجه السوداني، تُنتزع الحرب من جغرافيتها البعيدة، وتُزرع في قلب الفضاء العام الأوروبي. لا دخان ولا صواريخ في الصورة، ومع ذلك فإن الحرب حاضرة بكامل ثقلها، متجسدة في صمت امرأة تحمل بلدًا كاملًا على كتفيها.
بعدسة المصور السينمائي والوثائقي البريطاني آدم دوكر، لا تُلتقط لحظة إعجاب عابرة، بل رحلة إنسانية طويلة. صورة لا تطلب شفقة سريعة، ولا تعرض خلاصًا جاهزًا، بل تترك المتلقي أمام سؤال معلّق: ماذا نفعل حين نرى الألم دون وسائط؟ هل نمرّ أمامه كما نمرّ أمام إعلان، أم نتوقف لنفهم أن هذه الحرب المنسية ليست شأنًا محليًا، بل اختبارًا عالميًا للضمير؟
حين تُعلَّق هذه الصورة في لندن، فإن السودان نفسه يُعلَّق هناك، لا بوصفه دولة فاشلة أو ساحة صراع، بل كإنسان. إنسان صامت، لكنه يتكلم أكثر من ألف خطاب، ويقول للعالم — بلا كلمات — إن الحروب لا تنتهي حين تتوقف المعارك، بل حين يُعاد الاعتبار لوجوه المدنيين من النساء والأطفال الذين دفعوا الثمن كاملًا، في صمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..