مقالات وآراء

دور الدستور في الاستقرار السياسي و النهضة

بقلم: د. محمد حمد مفرّح.
٣/١
يعد الدستور Constitution القانون الأعلى و الأسمى بالدولة، كونه يتضمن القواعد الأساسية التي تبين نظام الحكم فيها. و وفقا لهذا التعريف، فالدستور يحدد شكل الدولة بسيطة موحدة أم مركبة أو فيدرالية، كما يحدد شكل الحكومة ملكي أو جمهوري. وهو أيضا يحدد طبيعة نظام الحكم برلماني أم رئاسي أم مختلط، و يتضمن السلطات العامة (السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائيه) وتنظيمها و علاقتها ببعضها، مع النص على الفصل بين هذه السلطات. علاوة على ذلك فالدستور يحدد حريات الأفراد و حقوقهم إزاء الدولة، و ضمانات هذه الحقوق و الحريات، بحسبانه يمثل قيدا على سلطة الحكومة، وفق القانون، لصالح الأفراد و المجتمع.
و يمكن كذلك أن يتضمن أية نصوص تهدف إلى المصلحة الوطنية، وفقا لما ترى الدولة.
الجدير بالإشارة أن هذه القواعد الأساسية يحددها دستور الدولة، و هي تتصل بنظام الحكم في الدولة أو النظام السياسي الذي يحكمها.
وليس ثمة من شك في أن الدستور الذي يمثل إرادة الشعب Public will و يهدف حقيقة للتعبير عن تطلعاته يمثل، في التحليل النهائي لوظيفته، آلية حيوية، غاية في الأهمية بالنسبة لأي دولة تروم خدمة شعبها. ذلك أن مثل هذا الدستور يمهد الطريق للدولة للقيام بواجباتها و مسؤولياتها الوطنية تجاه شعبها، على النحو الذي يحقق تطلعات هذا الشعب في الأمن و الاستقرار و العيش الكريم و النهضة الشاملة. فهو يؤسس لدولة القانون State of Law المستندة إلى قيم العدل و الحرية و المساواة، و المراعية لحقوق الإنسان Human Rights كما أقرها ديننا الإسلامي الحنيف في العديد من الآيات القرآنية و عبرت عنها السنة النبوية الشريفة، و نصت عليها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، في كل من:
١.الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام ١٩٤٨م.
Universal Declaration of Human Rights 1948G.
٢.العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام ١٩٦٦م.
International Covenant on Civil and Political Rights (ICCPR)
1966G.
٣.العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لعام ١٩٦٦م.
International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights (ICESCR)
1966G.
يضاف إليها إتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب و غيره من أساليب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام ١٩٨٤م، فضلا عن عدد آخر من المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
و تتميز قواعد هذا الدستور بأنها تضعها سلطة تأسيسية تختلف مسمياتها من دولة لأخرى، و تعد أعلى من السلطة التشريعية العادية، بل تخضع لها السلطة التشريعية من جهة رقابتها على القوانين التي تسنها. و لا يمكن، و الحالة هذه، تعديل قواعد الدستور إلا باتباع إجراءات خاصة أكثر شدة و تعقيدا من الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية.
من جهة أخرى، و إستنادا إلى الواقع السياسي الدولي، فإن لكل دولة، مهما كان نظام حكمها، دستور يعمل على تنظيم مسيرة الحكم فيها. و بما أن هنالك دول ديموقراطية و أخرى دكتاتورية استبدادية، فهنالك، بطبيعة الحال، اختلاف بين الدستور في الدول الديموقراطية و الدستور في الدول الدكتاتورية، من حيث الأهداف و المرامي. فبالنسبة لدساتير الدول الديموقراطية فإنها تتضمن كل القواعد المذكورة في صدر المقال باعتبار أنها تعبر عن سيادة الشعب و تهدف إلى تحقيق مصلحته العامة ليس إلا.
أما الدساتير في الدول الدكتاتورية فهي تركز، في الغالب، على و تعبر عن سلطتها بما يخدم مصلحة الحكومة، و ذلك تماهيا مع طبيعة نظام الحكم القائم.
لذا، فمن وجهة النظر ذات الصلة بتحقيق المصلحة الوطنية البحتة، فإن العبرة ليست في إعداد الدستور بقدر ما هي في تعبيره عن النظرية الديموقراطية.
ذلك أن الدستور يمثل، من المنظور القانوني البحت
Pure legal perspective
،و بعيدا عن المقاصد السياسية للأنظمة الاستبدادية، يمثل قيم الديموقراطية و يهدف إلى تحقيقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..