ثقافة وفنون

كيف تصنع الحرب امرأة؟! .. قصة قصيرة …

عروة علي موسى

لم تخرج، بل انتُزعت.
كأن يداً خفية سحبتها من قلب المكان، من دفء الأسماء، من ترتيب الحياة الذي كانت تعرفه.
تركت خلفها وجوه الجيران معلّقة في الذاكرة، وبيتاً لم يُغلق بابه لأن العودة كانت فكرة مستحيلة لا تُقال.
خرجت بثيابٍ لا تكفي للبرد ولا للخوف، وبزوجٍ صار صمته أطول من الطريق، وطفلٍ وحيد شدّ على أصابعها كأنه يشدّ العالم كله لئلا يسقط، وهو لا يفهم لماذا تغيّر كل شيء فجأة.
هل هذا أنا؟
وهي التي كانت قبل ذلك امرأة تُرى.
بهية الطلعة، مرتّبة الحضور، تعرف كيف تبتسم وكيف تمشي.
لكن الحرب لا تكتفي بأن تقتل، بل تُعرّي الأرواح.
نزعت عنها أنوثتها كما يُنزع المعطف في العراء، وتركتها تواجه الريح بجلدٍ رقيق.
صار وجهها شاحباً، وصار الصمت رفيقها، وصارت الأفكار أثقل من الجسد.
كانت تسأل نفسها دون صوت.
هل أنا هذه المرأة الساهمة التي تمشي ولا تنظر؟
أين تلك التي كانت تعرف شكل أيامها؟
أين المرآة؟
أين الضحكة؟
هي الحرب قد مرّت عليها كما تمرّ النار على الحقول، لا تترك سوى رمادٍ يتذكّر الخضرة.
في الطريق الأول، كانت المسافة تُقاس بالأنفاس لا بالأميال.
كل خطوة تشبه اعترافاً بالعجز، وكل وقفة تشبه هزيمة مؤجلة.
كانت ترى زوجها ينحني تحت ثقل الخوف، جسده يسبق روحه إلى التعب، فتشدّ على يده وتقول ما لا تصدقه:
نحن بخير… سيصبح كل شيء بخير.
إلى متى سأكذب؟
لكنها كانت تعرف أن الرجال في الحروب ينهارون بصمت، وأن النساء يُجبرن على أن يكنّ الجدار الأخير.
حين توقفت الرحلة قليلاً، لم يكن التوقف رحمة.
كان مكاناً لا يسأل عن اسمك، ولا يهتم من أين أتيت.
المال صار لغة وحيدة، والجوع صار رفيقاً يومياً.
كانت تحسب الأيام بما تبقّى في جيبها، وتقسم الرغيف بعينٍ دامعة.
كيف صرنا هكذا؟
كيف يُختصر العمر في إيجارٍ ولقمة وماء؟
الحرب لم تأخذ الوطن فقط، أخذت الكرامة والمروءة على مهل.
مرّت الأيام ثقيلة، بلا أفق، حتى صار البقاء هناك اختناقاً.
عندها بدأ التفكير في الهروب مرة أخرى.
ليس لأن الطريق آمن، بل لأن اليأس أشدّ فتكاً من المجهول.
تحمّلوا مشقة التهريب، وجوهاً لا تعرف الرحمة، طرقاً لا تشبه الطرق، خوفاً ينام معهم ويستيقظ.
وصلت إلى مكانٍ جديد، لكنها لم تصل إلى حياة.
هناك، صار الزمن بطيئاً حدّ القسوة.
تقدّم الزوج خطوة إلى الموت دون أن يقول.
كانت ترى ذلك في انحناءة ظهره، في عينيه اللتين فقدتا اللمعان.
وحين سقط، سقط العالم كله دفعة واحدة.
لم تصرخ.
لم يكن للصراخ مكان.
رحل وتركها وحيدة أمام عالمٍ لا يرحم، وطفلٍ ينظر إليها كأنها الإجابة الوحيدة لكل الأسئلة.
انكسرت.
لكنها لم تسقط.
بكت في الليل، وعضّت على وجعها في النهار.
كانت في حدادٍ لا يسمح لها بالتوقف، تعدّ الأيام، وتحمل جسدها المثقل، وتفكر في الغد رغم العتمة.
كانت تعرف أن هذا المكان لن يمنح ابنها مستقبلاً، وأن البقاء يعني الذبول البطيء.
الآن أنا وحدي…
هل أستطيع؟
هل خُلقتُ لهذا؟
كان الطفل ينظر إليها، وفي نظرته سؤال لا يُحتمل، فجمعت شتاتها ووقفت.
النساء لا يُسمح لهن بالانهيار طويلًا.
الحداد في الحروب رفاهية.
مرت الأيام ثقيلة، وهي تعدّها كما يُعدّ السجين قضبان نافذته.
كانت تحمل الفقد في صدرها وتخبئه، وتخاطب زوجها في سرّها:
لو كنت هنا، هل كنت ستتركني أم ستقودني؟
لكن الطريق كان قد اختارها.
طريق لا يعود إلى الخلف.
الهروب التالي لم يكن خياراً، كان اندفاعاً أعمى نحو أي ضوء.
وحين قررت الرحيل مجدداً، لم يكن في قلبها سوى فكرة واحدة:
النجاة.
الطريق هذه المرة كان أكثر قسوة، مليئاً بالتهديد والإذلال والخوف.
واجهت وجوهاً قاسية، سمعت كلمات تجرح أكثر من السكاكين، رأت نساءً يشبهنها وقد خسرن كل شيء إلا الدموع.
ومع ذلك، واصلت.
لأن المرأة في الحرب لا تملك رفاهية التراجع.
هل الحرب أنثى؟
لماذا تختارنا نحن؟
لماذا ننجو لنحمل هذا كله؟
ثم جاء البحر.
ذلك الفاصل بين ما كانت عليه وما صارت إليه.
قاربٌ ضيق، ليلٌ كثيف، وأمواج تُشبه أفكارها حين تتكاثر.
وهو بلا شك مجازفة.
طريق غير مأمون.
بحر لا يعرف الرحمة.
ركبت القارب، ذلك الخشب الهش الذي يحمل أثقال القلوب قبل الأجساد.
تتلاطم بهم الأمواج، تهددهم عيون الموت، تراقبهم أسماك الحيتان كأنها تعرف أن هؤلاء بشرٌ فقدوا أوطانهم.
رأت الموت بأم عينيها، سمعت صراخه، شمّت رائحته، لكنها تمسكت بيد ابنها، وكأنها تمسك بالحياة نفسها.
كانت تحتضن طفلها، وتهمس له بما يشبه الصلاة:
(نم… لا تخف).
وأنا؟
من يهدّئ خوفي؟
رأت الموت قريباً، رأت وجوهاً تذوب في العتمة والبرد والخوف، شعرت أن البحر يعرف قصصهم جميعاً، ويختبرهم بلا رحمة.
وحين وصلت، لم تصل كاملة.
وصل جسدها، أما روحها فبقيت معلّقة في الطرقات.
بدأت حياة تشبه الوقوف على حافة الانتظار.
بيت مؤقت، أمل مؤجل، مستقبل يُناقش دون حضورها.
هل هذا آخر المنفى؟
أم أنني سأمشي مرة أخرى؟
كانت تعرف أن الرحلة لم تنتهِ.
تعرف أن هناك مكانًا آخر سيُناديها، باسمٍ جديد، وذاكرة أقل ثقلاً ربما.
لكنها كانت تمشي الآن أبطأ، أعمق، محمّلة بكل ما فقدت.
لم يكن معها من الوطن سوى حطام رؤى، وروائح لا تزول، وقلبٍ متشقق، وذكريات تهاجر معها، وطفلٍ صار وطنها الوحيد، وقلبٍ مكسور تعلّم كيف ينبض رغم كل شيء.
هذه هي الحرب، لا تقتل فقط، بل تُعيد صياغة النساء، تسلبهن الضعف لتمنحهن قسوة البقاء، لا تقتلهن، بل تُبقِيهن أحياءً أكثر مما يجب، محمّلات بالحياة، واقفات بين الموت والرجاء، يمشين… لأن المشي صار المعنى الأخير للبقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..