أمسيات الغرف المغلقة في دافوس

طه يوسف حسن
هل تلتهم موائد الصباح ما نضج في أمسيات الغرف المغلقة في منتدى دافوس من قرارات و توصيات ؟ اجتمعت النخبة الدولية من نافذين في السياسية و الإقتصاد ورجال المجتمع في منتجع دافوس السياحي بسويسرا في نسخته ال 56 الفترة من 9 حتى ال 23 يناير الحالي , تحت شعار “روح الحوار” لمناقشة قضايا و تحديات الساحة الدولية، تزامن انعقاد المنتدى مع احتجاجات في دافوس ومدن سويسرية أخرى، تنظمها حركات اجتماعية وبيئية ُمناهضة للنظام النُخبوي الرأسمالي ، ترى تلك المجموعة في المنتدى رمزاً لاختلالات النظام الاقتصادي العالمي.
بدأ المشاركون من نخبة أثرياء العالم منفصلون عن الواقع يهبطون بطائراتهم الخاصة على منتجع دافوس السويسري ليناقشون مكافحة تغيير المناخ و يتناولون شرائح اللحم و وجبة الفوندو السويسرية الممزوجة بجبن غرويير و يحتسون الكوكتيل وهم يشاركون في جلسات نقاش حول التخفيف من حدة الفقر من بين (أهداف نبيلة أخرى كما يسمونها ) ، وهم غارقون في عالمهم الإفتراضي ثلاثي الأبعاد (ميتافيرس) مما يؤكد فجوة التباين بين نخبة دافوس و بقية العالم.
لا شك أن نخبة دافوس تدرك، نظريًا، أن لديها مشكلة تتمثل في استخدام الطائرات الخاصة لمناقشة تغير المناخ. وقد شخَّص لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، والذي يُعتبر بمثابة “عُمدة” القمة، هذه المشكلة الأساسية في كلمته الافتتاحية قائلاّ : “لن يحضر الأشخاص الذين يساهمون في تدمير المناخ و الاقتصاد إلى دافوس بل يحضر من يفعلون ذلك … هذا هو التناقض الأساسي لهذا المنتدى الذي يحاول صياغة عالم للجميع، ولكنه أصبح أشبه بلقاءِ لمّ الشمل للأشخاص الذين ساهموا في إفلاس العالم الحديث.
منتدى دافوس 2026 تحول إلى ما يشبه جلسة طارئة لنخبة العالم لمواجهة تهديد حقيقي هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حضر القمة، ويحمل عصا سياسته التجارية العدوانية – و أطماع غرينلاند و كندا و مجلس السلام العالمي في غزة الذي تكلف تذكرة الإنضمام اليه مليار دولار أمريكي … وهناك أيضاّ قوة أخرى أكثر تعقيدًا تهدد بزعزعة استقرار النظام العالمي، وهي ما تُعرف بالاقتصاد على شكل حرف K و هذا يعني التفاوت المتزايد بين الأغنياء والفقراء، من أجل صناعة المليار الذهبي من الأثرياء الذين يسيطرون على القرار الدولي و يتحكمون في العالم.
وفي المقابل، حضر قادة أوروبيون ومسؤولون دوليون للدفاع عن التجارة الحرة، والتعاون عبر الأطلسي، ودعم أوكرانيا، في ما يُنظر إليه محاولة لمقاومة هذا المسار.
ويشير المصطلح K ، الذي شاع استخدامه من قبل الاقتصادي بيتر أتووتر، إلى الإنقسام المتزايد في العالم، بين الأغنياء والفقراء، بدءًا من عام 2020 عام جائحة كوفيد-19 و حين استفاق العالم و تعافى من هذه الصدمة و جد نفسه على مسارين متباعدين، حيث ازداد الأغنياء ثراءً وازداد الفقراء فقرًا.
الشرق الأوسط كعادته حاضر في هذا المنتدى لأنه منطقة صراعات و تجاذبات جيوسياسية للدول العظمى، يأتي المشاركون من الشرق الأوسط كحضور فقط دون مبادرات تُذكر أو لوبيات تُمارس.
القضية السودانية كعادتها غائبة تماماّ عن منتدى الأثرياء البرجوازي، و عن أجندة المجتمع الدولي، حاضرةّ فقط في برنامج المذيع أحمد طه في قناة الجزيرة مباشر .
المنتدى الذي يصفه الكثيرون بأنه نشاطاّ نُخبوياّ ليس إلا ، انطلقت بداية أعماله عام 1971، واضعاً هدف “تحسين وضع العالم” شعاراً له، بحسب وثائقه التأسيسية ولكن تحديات المسرح السياسي في العالم يضع هذه النخبة الدافُسية في مأزق ، و يبقى السؤال … لا يزال منتدى دافوس فضاءً نُخبوياً مغلقاً أم سيكون منصةً مؤثرة في رسم السياسات العالمية؟



