مقالات وآراء

عن حتمية العودة لباندونغ

عبد الله رزق أبو سيمازه

أبدت عديد من دول أوروبا انتهازية غير مسبوقة ، وهي تراوح مناورة بين مقتضى القانون الدولي ، وما تدعيه من قيم ، من جهة ، ومجاملة ” الاخ الاكبر ” ، من الجهة الأخرى ، في مقام الموقف الواجب اتخاذه حيال العدوان الأمريكي على فنزويلا ، واختطاف رئيسها ، ثم تنفيذ تهديدها بالعدوان على سيادة نيجيريا. لكن أوروبا ، طار صوابها عندما ، وضعت أمريكا غرينلاند ، الأوروبية ، هدفا تاليا ، في سلسلة اطماعها الاستعمارية ، بعد فنزويلا ، وبدأت تتحسس ، لأول مرة ، قوتها الأطلسية ، في مواجهة احتمالات الغزو الأمريكي لجزيرة غرينلاند . وقد جاء ذلك على نحو صريح ، بلسان دنماركي مبين .

لا شك أن ” الفتوة ” الأمريكية ، التي قيض لها أن تعبر عن كامل عنفوانها من خلال الرئيس دونالد ترامب ،لتتحول إلى منظومة إرهاب عالمي ، قد استندت إلى رصيد من التواطؤات السابقة ،الأوروبية ، وغير الأوروبية ، أيضا ، إبان غزو بنما والعراق وليبيا ، مثلا ، مما جعل واشنطن تطمئن إلى إمكانية التحلل من قيود النظام العالمي ، قديمه وجديده . ربما تكون المفاجأة ، في وقت تتورط فيه روسيا في مأزق اوكرانيا ، وفي المساهمة في تقويض دور مجلس الأمن الدولي ، في صيانة الأمن والسلم العالميين ، تكمن في رفض بكين الرشوة الأمريكية ، ممثلة في نصيب من نفط فنزويلا بالإضافة لحرية التصرف والتقرير في مصير تايوان ، والتعبير بقوة عن الوقوف مع اصدقائها ، بما في ذلك فنزويلا وإيران.

لقد اضطرت أوروبا ، وهي تستبطن طموح الاستقلالية فوق الوحدة ، تتزعمها المانيا وفرنسا ، على هذا الطريق، لان تصحو من وهم الحماية الأمريكية من الخطر الشيوعي السوفييتي ، لتواجه الخطر الأمريكي ، غير الموصوف الا بذاته ، عبر مواقف متصاعدة ، اضطرت ساكن البيت الأبيض ، الذي لا يرى العالم إلا غنيمة من النفط والمعادن النادرة ، للتراجع خطوة ، خطوة ، باتجاه التعبير الأكثر ملاءمة ، والأقل وحشية عن تطلعاته الإمبريالية . وهكذا امكن رؤية ارهاصات تبلور عدة أقطاب ، باصطفاف أوروبا إلى جانب الصين وروسيا ، في مواجهة اليانكي ، والاحادية القطبية المنفلتة .

وإمكانية تبلور نظام دولي جديد ، في مواجهة مخاطر ومهددات مستجدة . وهذا ما يقتضي أن تسارع دول أفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية ، إلى التماس الوحدة على نهج باندونغ ١٩٥٤، حتى لا تضطر لان تدفع ثمن وفاق الكبار ، مرة أخرى ، في عالم متعدد الأقطاب . لو قدر لباتريك سيل، مؤلف الصراع على سوريا ، أن يستقبل من الامر ما استدبر ، لعرف لماذا “خرجت صرخة الحياد الإيجابي ( أو عدم الانحياز )، من هذا البلد الصغير “، على حد قوله….!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..