حين تتعرّى القمة: لماذا تُسرِّب وزارة العدل الأمريكية ملفات إبستين الآن؟
عبدالعزيز أبو عاقلة

لم تكن تسريبات وزارة العدل الأمريكية لملفات الملياردير جيفري إبستين مجرد حدث قانوني متأخر، ولا استجابة بيروقراطية لضغط الرأي العام، بل لحظة سياسية كثيفة الدلالات، كأن الدولة العميقة نفسها قررت – لسبب ما – أن تفتح نافذة صغيرة في جدار الصمت الذي حمى النخب لعقود. ما خرج إلى العلن لا يقدّم فقط سردية عن رجل متهم بجرائم استغلال جنسي واتجار بالبشر، بل يفضح شبكة علاقات رمزية ومالية وسياسية أعقد بكثير من شخص واحد، ويعيد رسم صورة النخبة العالمية باعتبارها طبقة تعيش خارج منطق المساءلة، بالرغم من فسادها وتتحرك في منطقة رمادية بين القانون والسلطة.
السؤال الجوهري ليس: ماذا فعل إبستين؟ فهذا بات جزءًا من السجل العام، بل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الكثافة، وبهذا التوقيت، وبهذا القدر من التسريب المقنّن الذي لا يطيح بكل شيء ولا يُبقي كل شيء مخفيًا؟ في السياسة، التوقيت اعتراف غير مباشر، وأحيانًا إدانة صامتة. الولايات المتحدة تعيش لحظة اهتزاز داخلي غير مسبوقة: استقطاب حاد، أزمة ثقة في المؤسسات، انتخابات على حافة الشك، ونظام عالمي يتفكك أمام أعين الجميع. في مثل هذه اللحظات، تلجأ الأنظمة لا إلى الحقيقة كاملة، بل إلى جرعات محسوبة منها، تكفي لإعادة ترتيب المشهد دون نسفه.
ملفات إبستين لا تكشف فقط أسماء أو صورًا أو مواعيد طيران، بل تكشف منطقًا: كيف تتعايش السياسة مع الابتزاز، وكيف يصبح المال جواز مرور إلى ما هو محظور، وكيف تُدار الفضائح لا بوصفها جرائم، بل كملفات ضغط مؤجلة. الجديد في هذه التسريبات ليس الفضيحة ذاتها، بل اعتراف الدولة – ولو جزئيًا – بأن ما كان يُصنّف “نظريات مؤامرة” كان في جوهره توصيفًا فظًا للواقع. النخب السياسية والاقتصادية ليست فوق القانون فحسب، بل أحيانًا هي من يكتب حدوده غير المرئية.
الربط مع ما يحدث الآن عالميًا ليس تعسفيًا. نحن نعيش زمن انكشاف الأقنعة: حروب تُدار باسم القيم، بينما تُموَّل بمنطق المصالح؛ ديمقراطيات تتغنى بالأخلاق، بينما تتعايش مع الاستبداد حين يخدم السوق؛ وإعلام يتحدث عن الشفافية، لكنه ينتقي ما يُقال وما يُؤجَّل. تسريبات إبستين تأتي في هذا السياق: رسالة مزدوجة. من جهة، تهديد مبطن للنخب بأن الحماية ليست أبدية. ومن جهة أخرى، طمأنة للنظام نفسه بأنه ما زال يملك مفاتيح التحكم في حجم الحقيقة.
الأخطر في هذه الملفات أنها لا تُدين أشخاصًا بقدر ما تُدين بنية كاملة: بنية تسمح بتراكم السلطة دون رقابة، وباختلاط المال بالجسد، والسياسة بالسرّ، والقانون بالاستثناء. إبستين لم يكن استثناءً شاذًا، بل كان عقدة في شبكة. موته الغامض لم يُغلق الملف، بل حوّله إلى قنبلة زمنية، تُفجَّر عند الحاجة. واليوم، يبدو أن الحاجة قد حانت، ليس لتحقيق العدالة، بل لإعادة توزيع الخوف داخل الطبقة الحاكمة.
أما الرأي العام، فيُستدعى مرة أخرى لدور المتفرج الغاضب، يُمنح صدمة أخلاقية مجانا ، لكنه يُحرم من الخاتمة. لا محاكمات كبرى، لا سردية كاملة، لا اعترافات نهائية. فقط ما يكفي لإشعال الغضب، دون تحويله إلى فعل سياسي منظم. وهنا تكمن براعة السلطة: تحويل الفضيحة إلى ضجيج، والضجيج إلى إرهاق، ثم إلى نسيان.
زبدة هذه السردية ليست أن العالم تحكمه نخب فاسدة – فهذا معلوم – بل أن النظام الدولي يعيش لحظة انتقال خطرة، تُستخدم فيها الحقيقة كسلاح، لا كقيمة. تسريبات إبستين ليست بداية تطهير، بل علامة على صراع داخل القمة نفسها. صراع على من يبقى فوق، ومن يُضحّى به لحماية البنية الأوسع.
والسؤال الذي يظل معلقًا، بلا إجابة مريحة:
إذا كانت هذه هي الملفات التي سُمح لنا برؤيتها… فماذا عن تلك التي ما زالت في الأدراج؟ ومن يقرر لحظة فتحها !؟.



