مقالات وآراء

السياسة الأخلاقية وصراع المجتمعات وإعادة تعريف القبيلة في مشروع الدولة

بقادي أحمد عبدالرحيم

في المقال السابق (السودان بعد الحرب) كنت قد أشرت إلى احتمالية وقوفي عند نقطة السياسة الأخلاقية كتعريف لخوض معركة التأسيس وها أنا ذا اسرد فيه التالي:
أزمة السودان ليست في غياب السياسة، بل في غياب الأخلاق من السياسة.
وليست المشكلة في تعدد الهويات كما سأوضح ذلك أيضا ، بل في إدارة هذا التعدد بعقلية الغنيمة والخوف.

فالحرب لم تنفجر لأن المجتمع متنوع كما روج له اتباع
(مشروع دولةالنهروالبحر) في شكل مرتكز فكري، بل لأن الدولة فشلت في إدارة صراع المجتمعات داخل إطار وطني عادل، فتركت الفراغ ليملأه:
السلاح بدل القانون والقبيلة بدل الدولة-والولاء الضيق بدل المواطنة.

وهكذا تحوّل التنوع من طاقة كامنة إلى وقود حرب، أنشاء جدلية المركز والهامش مرتكزاً على خطاب المظلومية (وربما يكون هذا موضوع طرحنا القادم على الرغم من أنني تحدثت كثيراً عنها لكن لا ضير في التبحر بصورة أوسع هذه المره) .

*السياسة الأخلاقية ليست وعظًا…* بل شرط بقاء
في الدول الهشة، وفي وطننا تُدار السياسة عادة بمنطق(ما الذي يضمن بقائي اليوم؟) لا منطق(ما الذي يمنع انفجار الغد)!!!

إن السياسة الأخلاقية يا عزيزي لا تعني مثالية مجردة، بل تعني إخضاع القرار السياسي لمعادلة الضرر العام، وهذا ما تعلمته من دراستي للقانون ويكون السؤال هو:
هل هذا القرار يعمّق الانقسام أم يديره؟
هل يعالج الجرح أم يستثمر فيه؟
هل يربح لحظة أم يؤسس استقرارًا؟

في اعتقادي ان في بلادنا استُخدمت السياسة بلاأخلاق كأداة لإدارة الخوف وتغذية المظلومية، وتعبئة المجتمعات ضد بعضها،
والنتيجة كانت دولة عاجزة عن لعب دور الحكم، فتحولت إلى طرف في الصراع.

*فصراع المجتمعات…و فشل الدولة في أن تكون حكمًا*
يكمن في فلسفة بسيطة أن المجتمع السوداني لم يكن يومًا مجتمعًا متصالحًا بالكامل، لكنه كان قابلًا للإدارة.

ما كسر هذا التوازن ليس القبيلة، بل انسحاب الدولة من موقع الحكم العادل والتأسيس الصحيح.

*وحين تفشل الدولة*
لا تعود المواطنة مظلة حماية
ولا يعود القانون مرجعًا
فيلجأ الأفراد إلى وحداتهم الأولية: القبيلة، الجهة، السلاح
هنا لا تصبح القبلية سبب الأزمة، بل تتحول إلى آلية دفاع اجتماعي في ظل فراغ الدولة أو اختطافها – سمها ما شئت.

تبدأ مسؤولية السياسي الأخلاقي المنوط به إحداث التغيير بأن يعترف بهذه الحقيقة بدل إنكارها.
فإنكار القبلية لا يُلغيها، بل يدفعها للعمل في الظل، حيث تصبح أكثر عنفًا وأقل قابلية للضبط.
لأن القبلية ليست نقيض الدولة… بل نقيض الدولة الفاشلة

*وأكبر خطأ ارتكبته النخب السودانية هو التعامل مع القبيلة* إما كعدو يجب سحقه كما حدث سابقاً مع قبائل جنوبنا الحبيب وبعض مجتمعات قيادات ثورات دارفور إن استحقت تسميتها ثورات.
أو كخزان تعبئة يُستغل عند الحاجة
ففي الحالتين، كانت النتيجة واحدة (تفكيك المجتمع دون بناء دولة) .

*القبيلة في حقيقتها*
شبكة تضامن-ونظام قيم
-وآلية ضبط اجتماعي

لكنها تصبح خطرة حين
تُسلّح أو تُسيّس بلا ضوابط
أو تُستبدل بها الدولة.

الحل ليس في محاربة القبيلة، بل في نزع وظيفتها السياسية وإعادة دمجها في مشروع وطني.

*السؤال الأهم الان كيف نحول القبيلة من أداة صراع إلى رافعة تأسيس؟*

لا يمكن اتهامي أو تفسير أن السياسة الأخلاقية التي اطرحها تطلب من القبيلة أن تختفي، بل أريد أن نشرع في تغيير موقعها داخل المعادلة الوطنية.
وذلك عبر *نقل الولاء من السلاح إلى القانون*
إذ لا يمكن دمج القبيلة في مشروع وطنيًا للتأسيس بينما:
*السلاح يمنح مكانةوالقوة تفرض تمثيلًا*
فإحتكار الدولة الجديدة للعنف شرط أساسي لتحييد القبلية سياسيا وأي ضعف أو اختلال بنيوي تأسيسي يحول المؤسسات إلى غنيمة ما ينتج احتمالية دائمة للحرب ويعيد جدلية الهامش والمركز عبر صنع هامش جديد ومركز مشوه أكثر .

ولإحكام الحلول وضمان التشييد الأمثل تعمدت ان أطرق ابواب المفكرين السودانيين واتطلع على منتوجهم وخلاصة أفكارهم في مسألة العدالة الإجتماعية وغيابها في السودان وشدني توصيف الأستاذ (صلاح ابوالسرة) رئيس جبهة القوى الثورية الديمقراطية، بعد أن جمعتنا مكالمة هاتفية طويلة وعميقة وقفت كثيراً عند قوله (ان العدالة الاجتماعية لم تغب لأنها مستحيلة بل لأنها لم تُعتبر يوماً أولوية سياسية في البلاد) وقد اذهب مع هذا الرأي لأنني كنت أراها تُستخدم كشعار تعبوي لا كأساس بنيوي يفضى إلى استقرار.

ببساطة شديدة لايمكن بناء دولة وتُترك مناطق كاملة خارج معادلة التنمية ويتم فيها إعادة انتاج الفقر جيلاً بعد جيل وتُختزل المواطنة في الإنتماء لا في الحقوق لأن الظلم الاجتماعي قد (او قل اكيد) سوف تتحول إلى خطاب مظلومية ثم إلى تعبئة سياسية ثم إلى صراع مفتوح؛

لذلك السياسة الأخلاقية هنا تلعب دور كبير جدا عبر فرض معادلة واضحة بأن *لا استقرار بلا عدالة ولا عدالة بلا قرار سياسي شجاع* تحولنا من عدالة الفرص المتوهمة الي عدالة تكافؤ الفرص والخدمات وتوزيع الموارد وفق الحاجة وضمان عدم اقصاء احد، وان لا تختطف الوظيفة العامة كغنيمة سياسية.

ما اتحدث عنه هنا لا يجب أن يفسر كمشروع متعارض مع (كومة المشاريع المتناثرة هنا وهناك) بل شعورا بالمسؤولية.

ولأن البناء القويم لدولة مؤسسات يبدأ من مبدأ – الوظيفة العامة ليست مكافأة وتحييد هذه المؤسسات من صراع النخب السياسية وعدم تحويلها إلى أدوات صراع بينها مع كل تغيير سياسي يذهب إلى تفريغ المؤسسات وإقصاء الكفاءات وإعادة توزيع الموقع كغنائم، لأن هذا المنطق توجد مساحة تتراكم فيها الأحقاد،

لكن البناء القويم للمؤسسات تستطيع عبره الدولة أن تستمر وتحافظ على وجودها حتى بعد تغير الحكومات وتحمي نفسها بالقانون لا بالولاءات وتخدم المواطن لا التحالفات السياسية، فتتحول السياسة الي تنافس عبر البرامج لا صراعاً على مفاصل الدولة (فالعدالة الاجتماعية تفضى إلى بناء ثقة بين المجتمعات والدولة وهذا هو الأهم )

الخلاصة:
إن الدولة التي تُنهي منطق الامتياز، وتُغلق ابواب الغضب، وتبني مؤسسات تعيش أطول من الحكومات هذا هو دولة السودان الذي نريد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..