مقالات وآراء

أم دروب… المرأة التي جاءت من فجوة بين الحرب والحرب .. قصة قصيرة

عروة علي موسى

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يعرف أحدٌ من القرية على وجه اليقين متى ظهرت أم دروب لأول مرة.
كانت ذات مساءٍ رماديّ، حين كان الغبار يرقص فوق الطرقات كأن الأرض تزفر سراً؛ غبارٌ لم يكن غبار طريقٍ فقط، بل بقايا أشياء تهدّمت ثم نُسيت. ظهرت هناك… واقفة عند طرف القرية، تنظر إلى البيوت بعينين تبدوان وكأنهما رأتا خاتمة العالم ثم عادتا لتدوّناها في نظرة واحدة.
لم يسألها أحد من أين جاءت، لأنها بدت وكأنها جاءت من حيث لا يُسأل القادم.
كانت امرأة بائسة، لكن بؤسها لم يكن بؤس الفقر ولا التعب، بل بؤس الروح حين يتشقق جلدها فيخرج منه الليل؛ ليلٌ تعلّم الخروج من الأرواح يوم صار النهار غير كافٍ لحمل ما جرى، حيث صارت الحربُ مرآةً يفيض منها كلُّ ما كان مستوراً من القبح.
كانت تمشي بصمتٍ، خطواتها قصيرة لكنها حادة، كأنها تقطع الطريق لا لتصل، بل لتُثبت أنها ما تزال هنا… أو ربما لتتأكد أنها لم تزل، بعد أن سقط من حولها كل ما كان يُفترض أن يبقى، وشهدت الأطفال يُطفَأون واحداً واحداً، وهي واقفة بلا يدٍ تُنقذ ولا صوتٍ يُسمَع.
في النهار، كانت تظهر مثل ظلٍّ مُنهكٍ، تهيم بين الدروب التي لم تُسمِّها القرية بعد، هناك حيث ينكسر الضوء ويُصبح كل شيء قابلاً للريبة، وحيث للأماكن ذاكرة لا تُقال، بل تُحسّ كوجعٍ قديم في العظام.
وفي الليل… كانت حقيقتها تكبر.
فالليل وحده كان يعرف ما تخبئه أم دروب في صدرها. كانت تتبدل كأن الظلام يفتح فيها باباً لم يقدر النهار على فتحه. صوتها يصبح أعمق، نظراتها أشد اتساعاً، وسيرها أكثر حدة، حتى ليقول المرء إنها امرأة من وقتٍ آخر… أو من جرحٍ آخر لم يندمل.
كانت عدوانية تجاه الرجال.
لا لأنهم رجال، بل لأن وجوههم كانت تشبه وجوهاً لم تعد قادرة على نسيانها، وجوهاً خرجت من ضجيج القتال ولم تخرج من ذاكرتها. كانت تتوتر كما يتوتر حيوانٌ جريح حين يلمح الصياد، كأن الذاكرة تسبق العقل، وكأن الجسد وحده يعرف سبب الخوف.
تختفي نظرتها إذا مرّ الأطفال، وتلين يدها حين تمدها لهم، كأنها كانت تعتذر لهم عمّا لم تستطع حمايته ذات زمن. كانت تمسح على رؤوسهم بحنانٍ خافت، حنان من يعرف أن بعض الخسارات لا يُعوَّض عنها، وإنما يُحيطها القلب بما تبقى من دفء.
وقد حاول الناس تفسير ذلك، فخرجوا بروايات حملتها الريح بين القلوب كما تُحمل البذور في موسم الرياح:
هناك من قال إنها جاءت من رحم الليل، وإنها ليست امرأة بالمعنى الكامل، بل ظلٌّ له حكاية ناقصة.
وقال بعضهم إنها خرافة، مخلوقٌ يتشكّل من خوف القرية وينحلّ مع الفجر.
وقيل أيضاً إنها امرأة تركها زوجها بعد أن خُطف منها أطفالها، فتكسر شيء في روحها لم يُصلح، واشتعل شيء في قلبها لم ينطفئ… فمن يومها صارت قاسية على الرجال ورحيمة بالأطفال، كأن قلبها نصفه ثأر ونصفه حنين.
وقال آخرون ــ همساً ــ إنها خرجت من مكانٍ احترق ثم مُسح اسمه، وأنها لم تحمل معها سوى جسدٍ نجا وذاكرةٍ لم تنجُ.
لكن الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على قولها بصوتٍ عالٍ، هي أن أم دروب كانت أقرب إلى المرآة: كل من يراها يرى خوفه، أو ذنبه، أو حزنه القديم، أو ما حاول طويلاً أن يقنع نفسه بأنه انتهى.
كانت تعيش بين البيوت ولا تعيش فيها؛
تمتد يدها أحياناً إلى جدار لتستند، ثم تسحبها كأن الجدار يذكّرها بشيءٍ موجع، بشيءٍ كان يوماً مأوى ثم صار شاهداً. وكانت القرية، رغم حضورها الظاهر، تتعامل معها كأنها شيء بينهما وبين الخيال.
لا أحد اقترب، ولا أحد حاول أن يعرف.
فالقرية نفسها كانت قد تعلّمت، منذ زمنٍ قريب، أن النجاة أحياناً تكون في عدم السؤال، وأن بعض الأبواب إذا فُتحت لا تُغلق دون أن ينهار ما تبقى من الطمأنينة.
كان وجودها يشبه الريح: يُشعرون به، لكنهم لا يمسّونه.
وحين اختفت…
اختفت كما ظهرت: فجأة.
لا وداع، لا أثر، لا ما يدل على أنها حملت شيئاً معها. صباحٌ واحدٌ فقط استيقظت فيه القرية فلم تجدها في مكانها المعتاد عند آخر الدرب.
ولم يسألها أحد…
لم يقل الناس أين ذهبت؟
ولا كيف اختفت؟
كأنهم اتفقوا بصمتٍ على أن الأسطورة حين ترحل لا تُطارد، وأن الظل حين يستردّه الليل لا يُسأل إلى أي زاويةٍ مضى، كما اتفقوا من قبل على نسيان أشياء أخرى رحلت فجأة ولم يعد السؤال عنها مفيداً للبقاء.
ومع مرور الزمن، صارت أم دروب جزءاً من ميثولوجيا القرية، تُروى قصتها كما تُروى الحكايا الغامضة: لا تُصدَّق كلها ولا تُكذَّب كلها.
قيل إنها تظهر أحياناً في ليالٍ خفيفة القمر، تمرّ كطيفٍ سريعٍ بين البيوت، تبحث عن شيء لا اسم له.
وقيل إن خطواتها ما تزال تُسمَع عند أطراف القرية في الليالي التي تبكي فيها الأرض من ضيقها.
وقيل أيضاً إن الأطفال الذين عاشوا دفءَ حنانها في تلك الأيام يشبّ في قلوبهم حنانٌ لا يعرفون مصدره… كأن يدها التي مسحت على رؤوسهم ذات مرة لم تغب بعد.
وهكذا بقيت أم دروب:
امرأة من ليلٍ بعيد، تحمل وجهاً من الحقيقة ووجهاً من الخرافة، ظهرت دون أن يعرف الناس من أين أتت، وغابت دون أن يعرفوا أين مضت، وتركت خلفها حكاية تمشي فوق الأرض كأنها ظلٌّ يبحث عن صاحبه… أو روحٌ لم تجد موطنها بعد.
إنها قصة امرأة لم تأتها القرية… بل أتت هي من روحها المختبئة، من جرحٍ مرّ من هنا وترك أثره في البشر والحجارة والطرق التي لم تُسمَّ بعد.
ولذلك، حين تغيب الأساطير، لا يبقى منها إلا الأثر…
والأثر هو الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب.
عروة علي موسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..