الحزب الشيوعي السوداني والتغيير الجذري… تعليمات الدادة أم عطيات أولاً ثم تأتي الثورة لاحقاً
اكرم ابراهيم البكري

في الخطاب السياسي للحزب الشيوعي السوداني يحتل شعار التغيير الجذري موقع محوري بوصفه امتلاك مشروع قطيعة شاملة مع بنية الدولة السودانية التي أعادت ومنذ الاستقلال، إنتاج الاستبداد والفقر والحروب بصورة منهجية. غير أن تفحّص هذا الشعار على ضوء الممارسة السياسية الفعلية للحزب، منذ ثورة ديسمبر وما تلاها من حرب، يكشف هوّة سحيقة بين اللغة المعلنة والسلوك السياسي الواقعي. وهي هوّة لا يمكن تبريرها بالظرف الموضوعي أو اختلال ميزان القوى، بل تكشف عُطب وخلل نظري وسياسي عميق في فهم معنى الجذر ذاته، وعجز كامل عن تحويل المفهوم الثوري من موقف أخلاقي خطابي إلى مشروع تاريخي قابل للتحقق
فالتغيير الجذري ليس استعارة لغوية ولا شعار تعبئة، بل هو مشروع صدامي لإعادة بناء علاقات السلطة والإنتاج، وتفكيك التحالفات الطبقية المسيطرة، وتحطيم أجهزة العنف التي تحرس هذه التحالفات وتحافظ على ديمومتها واستمرارها .
التغيير الجذري يفترض وضوح صارم في تحديد العدو ، واستعداد للاشتباك معه بوصفه بنية لا أشخاص، لا الاكتفاء بإدانته أخلاقياً أو شجبه في البيانات. بهذا المعنى، فإن الثورية ليست حدّة خطاب ولا كثافة شعارات، بل تطابق صارم بين التحليل النظري والممارسة السياسية
عند إسقاط هذا المعيار على خطاب الحزب الشيوعي السوداني في الوقت الحالي ، تظهر الإشكالية الأولى في تعريفه لماهية الجذر إذ يميل الحزب إلى اختزال الأزمة في أشخاص أو واجهات سياسية من دون تفكيك جاد للبنية الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل من هذه القوى ظواهر قابلة للتكرار والتجدد. ويغيب التحليل الطبقي العميق لصالح خطاب أخلاقي-سياسي عام، يُدين الاستبداد دون مساءلة شروطه المادية، هذا الاختزال لا يضعف الشعار فحسب، بل يفرغه من محتواه ، ويحوّله إلى لافتة احتجاجية فضفاضة يمكن أن تتقاطع بسهولة مع أطروحات ليبرالية إصلاحية لا تمس جوهر السلطة
يتضاعف هذا الخلل حينما نقف على موقف الحزب من المؤسسة العسكرية. فمن خلال قراءة تحليليه نفهم تماماً ان المؤسسة العسكرية لا تمثل جهاز محايد أو أداة تقنية، بل هي الوريث التاريخي للعنف المنظم في السودان ، وأحد الأعمدة الأساسية لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية.
تأكد كثير من الدراسات عن الدولة الريعية والعسكرية أن الجيش السوداني كنموذج لم يكن مجرد فاعل أمني، بل مركز ثقل اقتصادي وسياسي، يحتكر الموارد، ويدير شبكات توزيع العائد الإنتاجي داخل دوائر مصالح مغلقة، بما أسهم مباشرة في تعميق الفقر والتهميش.
ولا احد يستطيع ان ينكر ان المؤسسة العسكرية السودانية هي التي وفّرت، تاريخياً، الشروط الموضوعية لصعود الأحزاب الرجعية، الدينية والتقليدية وتمدد الطائفية السياسية ، لتتقاسم معها السلطة والثروة، وتُجهِض أي إمكانية لتحول ديمقراطي فعلي.
ومن خلال خطه السياسي الحالي يبدو لنا أن موقف الحزب الشيوعي متناقض بصورة فادحة مع شعاره المركزي. فالتماهي المباشر أو غير المباشر مع جنرالات المؤسسة العسكرية، أو الاكتفاء بإدانتهم بلغة أخلاقية مع تجنّب تفكيك دورهم البنيوي في هذه الحرب وما قبلها ، لا يمكن قراءته إلا بوصفه تراجع صريح عن منطق التغيير الجذري. فالجذر هنا ليس الجنرال بوصفه فرداً، بل المؤسسة العسكرية بوصفها بنية عنف واقتصاد وسياسة. وتجاهل هذا المعطى، أو التعامل معه بانتقائية، يحوّل الخطاب الشيوعي إلى معارضة لفظية تدور داخل حدود النظام القائم الان بدل أن تسعى إلى تقويضه
النقطة الثانية التي تناقش م في هذا المقال وتتجلى فيها الأزمة بوضوح أكبر تكمن في حديث كوادر الحزب المتزايد عن العمل التحتي وسط الجماهير باعتباره أداة للتغيير في ظل الحرب. فالحرب الراهنة لم تؤدي فقط إلى تفكك الدولة، بل أعادت تشكيل المجتمع السوداني نفسه على أسس عرقية وإثنية وقبلية حادة، جعلت الانتماءات الأولية تتقدم على أي وعي طبقي محتمل. ومن المعروف أن الحروب ذات الطابع الإثني تعيد صياغة الوعي الاجتماعي، بحيث تتراجع الهويات الطبقية لصالح هويات الخوف والسلاح والنجاة. في هذا الواقع، تصبح الجماهير التي يستدعيها الخطاب الشيوعي كيان مشظي لا كتلة اجتماعية متماسكة قابلة للتنظيم السياسي وفق القوالب الكلاسيكية
فالعمل التحتي يفترض حد أدنى من الروابط الاجتماعية المشتركة، وأفق وطني جامع أما في ظل حرب أهلية أعادت تعريف الأفراد بوصفهم أعضاء في جماعات إثنية متناحرة، فإن أي حديث عن تنظيم تحتي يتجاوز أولاً مهمة تفكيك خطاب الكراهية وإعادة بناء الثقة الاجتماعية، لا يعدو كونه نشاط نخبوي معزول في اعتقادنا . واستمرار الحزب الشيوعي في استخدام مفهوم الجماهير كما لو أن الحرب لم تغيّر طبيعتها، يفضح عجز فادح عن قراءة التحولات العميقة التي أصابت البنية الاجتماعية
وتتخذ ألازمة بعد أكثر خطورة في مقاربة الحزب لمسألة التدخلات الإقليمية. إذ يقع الخطاب الشيوعي في ازدواجية صارخة حين يتقاطع مع خطاب الإسلاميين في تحميل دولة الإمارات دور مركزيً في دعم مليشيا الدعم السريع وهو اتهام نعم يمكن نقاشه سياسياً ، ولكن ان يلتزم صمت مريب تجاه الدعم المصري اللامحدود للمؤسسة العسكرية السودانية، وفق شروط سياسية وامنية ذات طابع جيوسياسي واضح. وتشير تقارير صحفية ويكفي ان نشير إلى أن العلاقة بين القاهرة والجنرالات في الخرطوم ليست علاقة دعم بريء، بل شراكة أمنية غير متكافئة استثمرت هشاشة الدولة السودانية لتعزيز النفوذ الحدودي والاقتصادي
ويتجلى ذلك في التغاضي عن ممارسات موثقة بحق اللاجئين السودانيين في مصر، وفي وقائع طرد المعدنين السودانيين من مناطق التنقيب الأهلي في شمال السودان، فضلاً عن انتشار مقاطع مصورة لجنود مصريين داخل الأراضي السودانية خارج أي إطار قانوني معلن. ووفق منطق الحزب نفسه في توصيف العمالة والارتهان للخارج، فإن هذه الوقائع تستوجب إدانة لا تقل صرامة عن إدانة أي دعم خارجي للمليشيا. غير أن الحزب يلتزم صمتاً لافتاً اتجاه علاقة المؤسسة العسكرية بالجارة الشمالية ، ولا يذهب إلى توصيف هذا التعاون بوصفه تفريط في السيادة أو ارتهان للخارج.
هذا الصمت لا يمكن فهمه إلا بوصفه جزءً من أزمة أعمق، تتمثل في استخدام مفهوم العمالة استخدام انتقائي يُشهَر في وجه القوى المدنية، بينما يُعفى منه جنرالات الجيش الذين مارسوا، تاريخياً، أشكالاً فجة من الارتهان الإقليمي والدولي. وحين ينفصل خطاب العمالة عن تحليل بنية الدولة العسكرية التابعة، يتحول إلى أداة سياسية رخيصة تبرّئ المركز الحقيقي للسلطة وتدين الهامش
ولا يغيّر من هذا الخلل إقرار الحزب الصحيح والذ نتفق معه تماماً بأن مليشيا الدعم السريع ( الجنجويد ) مليشيا إجرامية يجب محاربتها. فالإشكال ليس في التوصيف، بل في المنطق. إذ إن العقلية التي أنتجت الجنجويد ليست استثناءً، بل هي ذاتها العقلية العسكرية التي نشهد اليوم إعادة إنتاجها عبر خلق مليشيات جديدة: مثل درع الجزيرة إلى التشكيلات ذات الطابع الإسلامي الثوري ( البراؤون ) ، فضلًا عن قوات المشتركة والتي تعمل خارج أي إطار قانوني عسكري موحد. وأعتقد انه لا يخفي على الحزب الشيوعي أن المليشيات لا تولد من فراغ، بل تتخلق داخل رحم الدولة العسكرية حين تعجز عن بناء جيش وطني مهني
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح هل ينتظر الحزب الشيوعي تمرد هذه التشكيلات المسلحة في المستقبل حتى يصفها بالمليشيات ويطالب بمحاربتها؟ أم أن التغيير الجذري يفترض الاعتراف بأن المشكلة ليست في المليشيات بوصفها أعراض، بل في الرحم الذي يلدها ويعيد إنتاجها بلا توقف؟ فالقضية، في جوهرها، ليست الدعم السريع وحده، بل الجيش نفسه بوصفه مؤسسة سياسية واقتصادية جعلت من العنف الأهلي أداة حكم.
في نهاية قولي هذا والذي اتمني ان ينزل بردا وسلاما عليهم لا يمكن القول إن مواقف الحزب الشيوعي السوداني، بصيغتها الحالية ، تنسجم مع مفهوم التغيير الجذري اطلاقا فالجذرية هنا أقرب إلى هوية خطابية منها إلى مشروع تاريخي.
فمن الواضح لي ان الحزب يحتفظ بلغة الثورة، لكنه يتجنب الاشتباك مع الجذر الحقيقي للأزمة الدولة العسكرية التابعة التي تحتكر العنف وتعيد توزيعه في شكل مليشيات وتحالفات إقليمية.
فبدون إعادة تأسيس هذا التحليل، سيظل شعار التغيير الجذري مجرد لافتة، ويظل العمل التحتي مجرد وهم حالم ، بينما يواصل الواقع السوداني إعادة إنتاج نفسه بأدوات أكثر عنفاً ووحشية



