أهم الأخبار والمقالاتمقالات وآراء

حلول الفاست فوود: هل يُدفع شرق السودان مجددًا إلى هامش التاريخ؟

صالح عمار
الراجح، حسب المعطيات المتوفرة، أن السودان يتجه — تحت ضغط العصا الأمريكية ومجهودات ايجابية لدول اخرى — إلى صيغة تؤدي إلى وقف القتال، بهدف رفع الحرج عن المجتمع الدولي المُثقل بالأزمة السودانية ذات الطابع الإنساني الأكبر، وتحقيق إنجاز شخصي للرئيس دونالد ترامب، وربما أيضًا لفضّ الاشتباك بين حلفائه الإقليميين الذين يوزّعون دعمهم بين أطراف الحرب.
إن وقف القتال تحت أي صيغة هو أمر إيجابي يستحق الترحيب من حيث المبدأ، لكن من الضروري أيضًا الانتقال للتفكير فيما بعد ذلك، لأن ما يلي وقف القتال لا يقل أهمية على الإطلاق.
وفيما يتعلق بالشرق، الذي يشكّل محور تركيزنا هنا، ينبغي لقادته أن يشعروا بالقلق تجاه وضعية الإقليم في أي صيغة حل مقبلة، وذلك لأسباب معروفة؛ من بينها أن الإقليم يعاني من مظالم تنموية وسياسية تاريخية تحتاج إلى معالجة خاصة، وهو ما لا توفره الصيغة الأمريكية المطروحة للحل. كما أنّ ممثلي الشرق، سواء من حيث العدد أو التأثير، غائبون عن مراكز اتخاذ القرار بين الجيوش المتعددة والسلطات في السودان.
إنّ ما يجب أن يثير القلق بشدّة، ويجب بالتالي مواجهته بالرفض، هو الاتجاه الدولي الحالي للحل، والذي يقوم على الإبقاء اسميًا على السودان، ولكن تحت حكومات وأنظمة متعددة.
وبما أن الشرق حاليًا تحت سيطرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فإنه سيخضع وفق المبادرة الامريكية الى المعادلة التي يطرحها هو وحلفاؤه.
والسردية التي يتبنّاها البرهان اليوم تقوم على أن حرب 15 أبريل كانت تَمَرُّدًا من مليشيا على دولة كانت — بحسب اعتقاده — تقود السودان بكفاءة وفي الطريق الصحيح، وأن الحل هو العودة إلى ما قبل 15 أبريل، مع فارق واحد: الحكم بيد من حديد، والسيطرة المطلقة للقوى العسكرية حتى لا تتكرر الفوضى.
لكن هذه الرؤية تتناقض جذريًا مع حقيقة الماضي وتطلعات المستقبل، سواء بالنسبة للشرق أو لكل السودان. فالسودان بلد زاخر بالتنوع، ولا يمكن لأي صيغة أن تنجح دون إدارة هذا التنوع بفاعلية. ولا تدير التنوع إلا الديمقراطية، مهما كانت مساوئها، وهي مساوئ تبقى أقل بكثير من الشمولية وفرض الثقافة الأحادية (والتي هي ستار للعنصرية والانتهاكات والفساد).
ورؤية البرهان لمستقبل إدارة السودان تتعارض جذريًا مع مصالح وتطلعات أهل الشرق، إذ إنه لا يطرح رؤية أو صيغة للتعامل مع جذور المشكلة في الإقليم، بل إنه لا يعترف بوجود المشكلة من الأساس. أما استراتيجيته للمرحلة المقبلة فتتمثل في تسخير موارد الشرق وثرواته لإعادة تعمير مؤسسات الدولة في الخرطوم والوسط. وحتى الأجهزة العسكرية والأمنية التي يريد لها أن تتحكم في السياسة والاقتصاد وكل شيء، فإن تمثيل الشرق فيها رمزي للغاية، وكذلك الأمر في البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحكم قبل الحرب.
وبالتالي، فإن خطورة المرحلة المقبلة على الشرق ستكون كبيرة، لأنها تعني عودة السلطة المركزية التي كانت تحكم قبل الحرب، وتعزيز قبضة القوى العسكرية على الاقتصاد والسياسة، والتعامل مع الشرق كحديقة خلفية تُنهَب منها الموارد، وتُستخدم أراضيه الشاسعة لمختلف الأغراض، بما في ذلك منح الموانئ والأراضي الزراعية والمعادن كهبات للدول التي ساندت البرهان في الحرب ولها عليه ديون.
ولن يقف الأمر عند هذا الحد، فسلطة البرهان المقبلة لن تضمن الأمن في المناطق التي تسيطر عليها، لأنها تحوي تناقضات داخلية خطيرة ذات انعكاسات خارجية. فتحالف البرهان مع مليشيات علي كرتي ذات الطابع الإرهابي والعنصري يعني معركة حتمية عاجلًا أو آجلًا مع قوى خارجية، وخلق صراعات اجتماعية بين السودانيين، الأمر نفسه ينطبق على ما تبقى من حركات سلام جوبا والمليشيات القبلية.
إن مواجهة هذا الواقع والمستقبل تتطلب من نخب الشرق في ولاياته الثلاث، وبمختلف تكويناتهم، الارتقاء إلى مستوى المسؤولية تجاه ملايين المعدمين من سكان الإقليم الذين يصارعون من أجل البقاء.
وإذا كانت الوحدة ضمن منظومات كبيرة غير ممكنة في هذه اللحظة، فإن الممكن هو توحيد الأجندة والخطاب في نقاط مختصرة، أهمها: رفض تقسيم السودان، والمطالبة بعقد اجتماعي يمنح الشرق والأقاليم صلاحيات واسعة مع تقليص السلطة المركزية إلى أقصى حد، وإعادة هيكلة القوى العسكرية بحيث تعكس تمثيل السودانيين والشرق، ومنع نهب الموارد، وقبل كل ذلك، تأسيس سلطة انتقالية متوافق عليها تقود البلاد إلى انتخابات حرّة.

‫2 تعليقات

    1. شوف لينا شلاتين وحلايب وحلفا المقموره بالمياه ….وفصل الجنوب والتدخل التركى المصرى الحديث عبر عملائه التاريخين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..