حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب .. الواثق كمير والنقد من داخل ذاكرة البندقية(٢)

د.ناهد محمد الحسن
الواثق كمير والنقد من داخل ذاكرة البندقية:
تحمل المرآة التي أعادها الواثق كمير إلى النور في عمقها صورةً أقدم لصاحبها. فالواثق نفسه لم يعش بعيداً عن سؤال المثقف والبندقية، ولم يقف طوال تاريخه في الموقع المدني الآمن الذي يكتفي بمراقبة الحركات المسلحة من الخارج. كان من المثقفين الشماليين الذين خرجوا من مواقعهم الاجتماعية والأكاديمية لملاقاة الحركة الشعبية لتحرير السودان وجون قرنق، ورأوا في حركة مسلحة، كانت الدولة تسميها تمرداً، حاملاً محتملاً لمشروع وطني يتجاوز بنية السودان القديم.
بدأت علاقة الواثق بالحركة الشعبية من بوابة العمل النقابي والفكري بعد انتفاضة أبريل. ففي أغسطس 1986 شارك، ممثلاً للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، في اجتماع بأديس أبابا لمتابعة مقررات كوكادام، وهناك التقى منصور خالد وجون قرنق في ظهيرة واحدة. ثم شارك في ترتيب لقاء بين مثقفين شماليين وقيادة الحركة في مارس 1987، ونسّق في فبراير 1989 ورشة أمبو التي جمعت قيادة الحركة الشعبية بعدد من المثقفين والنقابيين من شمال السودان.
لم تكن تلك صلة مراقب أكاديمي بموضوع دراسته، وإنما علاقة سياسية وفكرية وثيقة امتدت قرابة عشرين عاماً مع جون قرنق، وثلاثة عقود مع منصور خالد. حرر الواثق وقدم كتاباً عن رؤية السودان الجديد، وكتب مطولاً دفاعاً عنها، وظل قريباً من الحركة ومن قائدها، حتى غدا أحد الأصوات الشمالية التي ساعدت في ترجمة مشروع قرنق إلى لغة تستطيع مخاطبة قطاعات من المثقفين والسياسيين في الشمال.
ولهذا فإن الواثق يعرف، من داخل تجربته لا من الكتب وحدها، معنى أن يرى المثقف في حركة مسلحة شيئاً أكبر من بندقيتها. كان يستطيع أن يرى في الجيش الشعبي قوةً مقاتلة، لكنه رأى فيه أيضاً حاملاً لمشروع السودان الجديد: دولة المواطنة التي تعيد بناء علاقة المركز بالهامش، وتخرج بالوحدة من الإكراه إلى الاختيار، وتفصل الانتماء إلى الوطن عن العرق والدين والثقافة المهيمنة.
كانت الحركة الشعبية متهمة في خطاب الدولة بالتمرد وتهديد وحدة البلاد. وكانت بندقيتها متهمة، كما هي كل بندقية، بالعنف والانتهاكات والطموح إلى السلطة. ولم يكن مستقبلها السياسي معلوماً، ولا كان ممكناً للواثق أو لغيره من المثقفين القريبين منها أن يعرفوا على وجه اليقين أين ستنتهي الحرب، أو كيف ستتغير الحركة إذا تغير قائدها، أو أي جانب من جوانب مشروعها سينتصر في نهاية المطاف: مشروع السودان الجديد الوحدوي أم الرغبة المتصاعدة في انفصال الجنوب.
ومع ذلك اختار الواثق الاقتراب. لم يفعل ذلك، بحسب ما يظهر من سيرته وكتاباته، حباً في البندقية، وإنما إيماناً بالقضية التي ظن أن البندقية تحملها، ورغبةً في فتح طريق بين الحركة المسلحة والقوى المدنية والنقابية في الشمال. لقد كان، بمعنى من المعاني، مثقفاً يقف خلف بندقية عندها قضية، بينما يظل مستقبل البندقية والقضية معاً مجهولاً.
هنا تظهر الصلة العميقة بين تجربته وموقع النور اليوم، من دون أن يعني ذلك المساواة بين الحركة الشعبية والدعم السريع، أو بين جون قرنق وحميدتي. فالحركة الشعبية نشأت في سياق حرب الجنوب، وحملت منذ وقت مبكر برنامجاً سياسياً وفكرياً لإعادة بناء الدولة، بينما نشأت قوات الدعم السريع من داخل جهاز الدولة وحروب نظام الإنقاذ في دارفور، وارتبط تاريخها بانتهاكات جسيمة وباقتصاد عسكري وشبكات مصالح تشكلت في كنف النظام نفسه الذي تقدم اليوم نفسها قوةً لتحرير السودان منه.
هذه الفروق أساسية، ولا ينبغي دفنها تحت رغبة في إثبات التناقض. لكن اختلاف القوتين لا يلغي التشابه في المعضلة التي واجهت المثقفين المحيطين بهما:
هل يستطيع المثقف أن يستخدم قوة البندقية لإنجاز مشروع يتجاوزها، أم أن البندقية تستخدم مشروع المثقف ورأسماله الأخلاقي لتوسيع شرعيتها؟
وهل يكون المثقف، حين يقترب من الحركة المسلحة، هو الذي يمنحها اتجاهاً سياسياً وفكرياً، أم أنه يبالغ في تقدير قدرته على توجيه قوة لها قيادتها ومصالحها واقتصادها وذاكرتها الخاصة؟
انتهت رحلة الحركة الشعبية إلى اتفاقية السلام الشامل وحق تقرير المصير، ثم إلى انفصال جنوب السودان. لكن من غير الإنصاف القول إن الانفصال كان قضية الواثق أو الغاية التي اصطف من أجلها. فكتاباته، كما يدل عليها كتابه عن منصور خالد وعنوانه الفرعي، كانت تدور حول «الحركة الشعبية والبحث عن السلام ووحدة البلاد». وكانت فكرته، مثل فكرة قرنق المعلنة، أن الوحدة القديمة القائمة على الهيمنة لا يمكن إنقاذها، وأن السودان يحتاج إلى وحدة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والاعتراف بالتنوع.
لم يكن الواثق يقف خلف بندقية لكي تفصل الجنوب، وإنما وقف إلى جانب مشروع اعتقد أن البندقية قد تساعده على إعادة بناء السودان كله. غير أن المشروع انتهى إلى غير ما أراده، لا بسبب البندقية وحدها، ولا بسبب الحركة وحدها، وإنما نتيجة تاريخ طويل من سياسات المركز، وفشل النخب الشمالية في جعل الوحدة جاذبة، وتحولات داخل الحركة، وموت قرنق، وصعود القوى الانفصالية، ومناورات نظام الإنقاذ.
لكن تبرئة الواثق من قصد الانفصال لا تغلق السؤال؛ إنها تفتحه في مكان أكثر عمقاً:
إذا منح المثقف بندقيةً ما رأسماله الفكري لأنها تحمل مشروعاً وحدوياً تحررياً، ثم انتهت الحركة، بعد تغير القيادة وموازين القوى، إلى نتيجة لم تكن غايته، فماذا تكشف التجربة عن حدود قدرة المثقف على توجيه البندقية؟
قد تكون قضية المثقف عادلة، وقد يكون مشروعه وحدوياً وديمقراطياً، ومع ذلك لا تتحكم قضيته وحدها في مستقبل القوة التي تحالف معها. فللبندقية منطقها، ولحامليها مصالحهم، وللحرب آثارها التي تعيد تشكيل المشروع نفسه. وقد تبدأ العلاقة بمحاولة المثقف إعطاء السلاح وجهةً سياسية، ثم تنتهي بمنح السلاح للمثقف حيزاً لا يستطيع التحرك خارجه.
لهذا لا أرى الواثق واقفاً خارج المرآة بالضرورة. ربما يقف أمامها منذ سنوات، ويرى في موقع النور الراهن ظلاً من موقعه القديم. وربما لا يصدر نقده من غياب التجربة، وإنما من ذاكرة رجل عرف إغراء الفكرة الكبرى حين تحملها حركة مسلحة، وعرف أيضاً أن المشروع الذي يمنحه المثقف اسمه ولغته قد ينتهي، تحت ضغط الحرب وتغير القيادة ومصالح حاملي السلاح، إلى مآل لم يكن يريده.
وهنا لا أريد أن أسأل الواثق: لماذا تحاكم النور وقد فعلت الشيء نفسه؟
فهذا السؤال يختزل تجربتين مختلفتين، ويستخدم ماضيه لإسكاته بدلاً من التعلم منه. أريد أن أسأله سؤالاً آخر:
ماذا تعلمت من تجربتك إلى جوار بندقية الحركة الشعبية؟ وما الذي يستطيع المثقف أن يفعله داخل حركة مسلحة، وما الذي يكتشف لاحقاً أنه كان عاجزاً عن فعله؟ وهل المرآة التي تضعها اليوم أمام النور هي حصيلة مراجعة لتجربتك أنت، أم أنها لا تزال تحتفظ بصورتك خارج إطارها؟
لو كان نقد الواثق للنور صادراً من هذه الذاكرة، فإنه يغدو أكثر ثراءً من مجرد المطالبة المجردة بوحدة المعيار. يصبح شهادةً من مثقف سبق أن راهن على أن مشروعاً فكرياً يمكن أن يمنح البندقية معنىً يتجاوز منطقها، ثم رأى التاريخ يسلك طريقاً أكثر تعقيداً مما تصوره المشروع.
وكتاب الواثق الأخير عن منصور خالد، رحلتي مع منصور خالد: الخروج من الذات لملاقاة الآخر، لا يبدو لي سيرةً لمنصور وحده. إنه أيضاً، في جانب منه، سيرة الواثق الفكرية والسياسية، ووثيقة عن علاقة ثلاثة مثقفين ومفكرين — منصور والواثق وقرنق — بمشروع تحرري تسنده حركة مسلحة.
ومنصور خالد نفسه يجسد التعقيد الذي يناقشه الواثق اليوم. فقد عمل مع نظام مايو، ثم غادر موقعه داخله وأصبح من أبرز منظري الحركة الشعبية ومستشاري جون قرنق. أي إنه انتقل من العمل داخل دولة عسكرية إلى العمل داخل حركة مسلحة، مدفوعاً في الحالتين، وفق رؤيته لنفسه، بالرغبة في تحديث السودان وإخراجه من مأزقه التاريخي.
لهذا يحمل كتاب الواثق، ربما من دون أن يقصد، الأسئلة نفسها التي يضعها اليوم أمام النور وأعضاء لجنة الحوار: متى يكون الدخول في بنية السلطة أو الحركة المسلحة محاولةً لاستخدام المساحة المتاحة؟ ومتى تصبح معرفة المثقف ومكانته مصدراً للشرعية تحتاج إليه القوة؟ وكيف نميز بين مثقف يؤثر في السلطة ومثقف تستخدمه السلطة لتجميل صورتها؟ وهل نحكم على تجربته بنيته، أم بموقعه، أم بما انتهت إليه تاريخياً؟
ربما كان أجمل ما يستطيع الواثق أن يضيفه إلى هذا السجال هو ألا يكتفي بوضع النور أمام المرآة، وإنما أن يقف إلى جواره داخلها، ويقول له:
كنتُ في موضع يشبه موضعك ولا يطابقه. آمنتُ بقضية عادلة حملتها حركة مسلحة، ورأيتُ في بندقيتها أداةً لفتح طريق إلى السودان الجديد. وهذه هي حدود ما استطاع المثقف أن يفعله، وهذه هي المواضع التي غلب فيها منطق السلاح على منطق المشروع، وهذه هي الأشياء التي كنت سأفعلها على نحو مختلف لو عاد بي الزمن.
عندها لا يعود الحوار بين رجل يحاكم ورجل يُحاكم، وإنما يصبح لقاءً بين تجربتين: مثقف عرف البندقية بالأمس، ومثقف اختار الوقوف إلى جوارها اليوم.
خالد كودي وانتزاع الكرامة المعرفية مع امتحان البندقية
يقدم خالد كودي اعتراضاً مهماً على الواثق كمير. وهو لا يرفض، من حيث المبدأ، مساءلة النور، ولا يقول إن «تأسيس» ينبغي أن تكون فوق النقد. حجته الأساسية أن وحدة المعيار لا تعني تماثل السياقات والمشروعات؛ فليس كل اقتراب من قوة مسلحة يؤدي الوظيفة التاريخية نفسها، وليس كل تحالف مع سلطة أو حركة مسلحة مساوياً لغيره لمجرد أن السلاح حاضر في الحالتين.
والسؤال، عند خالد في تقديري لا ينبغي أن يتوقف عند: من جلس مع من؟ ومن اقترب من أي بندقية؟ وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال أعمق: أي مشروع للدولة يخدمه هذا الاقتراب؟ هل يعيد ترتيب السلطة داخل السودان القديم، أم يفتح الطريق لإعادة تأسيس الدولة نفسها؟
هذه إضافة حقيقية إلى الحوار. فالتركيز على أخلاق المثقف الفردية قد يجعلنا نغفل البنية التي يتحرك داخلها. وقد يكون المثقف معارضاً صلباً للحاكم، لكنه يظل أسير التصورات التي أنتجت ذلك الحاكم: مركزية الدولة، والهوية الأحادية، والوصاية العسكرية، والتراتبية بين المركز والهامش، واحتكار جماعات بعينها لتعريف الوطنية والمعقول والممكن.
بهذا المعنى، لا يكون «السودان القديم» حكومةً أو حزباً أو قائداً يمكن إسقاطه ثم إعلان نهاية عهده. إنه بنية لإنتاج السلطة والثروة والمعرفة والاعتراف. وقد يسكن السودان القديم في وعي معارضيه أيضاً. يمكن للمثقف أن يرفض البرهان والإسلاميين، لكنه يظل عاجزاً عن تخيل الدولة خارج مؤسساتها الموروثة. ويمكنه أن يتعاطف مع الهامش ما دام ضحيةً تطلب الإنصاف، ثم يشعر بالقلق عندما ينتقل الهامش من المطالبة بنصيبه إلى المشاركة في تعريف الدولة نفسها.
لكنني أظن أن فهم خالد يحتاج إلى خطوة أخرى لا توفرها القراءة السياسية لمقالاته وحدها. فقد عرفت خالد قبل هذا السجال بوصفه فناناً مشغولاً بضحايا الحروب، وتبادلنا الرسائل في وقت كان يعمل فيه، بتفانٍ ومحبة والتزام، على مساعدة المتأثرين بالحرب من خلال الرسم والفنون ومعالجة آثار الصدمة النفسية.
ولم تكن فلسفته الفنية قائمة على أن يأتي الفنان إلى الضحايا ليرسمهم كما يراهم، أو ليحول آلامهم إلى مادة لمشروعه الخاص. كانت أقرب إلى الفن التشاركي الذي يساعد الناس على استعادة أصواتهم، وعلى رسم خبراتهم بأيديهم، وعلى الانتقال من موقع الإنسان الذي يصفه الآخرون إلى موقع الإنسان الذي يسمي نفسه ويحكي قصته.
هذه السيرة ليست هامشاً عند قراءة موقفه الراهن. لعلها المدخل الأعدل إليه.
فخلف لغته الحادة أحياناً تجاه مثقفي المركز توجد حساسية مفهومة تجاه تاريخ طويل احتفظ فيه المركز، إلى جانب احتكاره السلطة والثروة، بامتياز آخر أقل ظهوراً: امتياز إنتاج المعرفة عن الهامش. كان الهامش يعاني ويموت ويحمل السلاح، بينما يتولى مثقف المركز تعريف أسباب معاناته، وشرح مطالبه، وتحديد ما يجوز له أن يطلبه وما يعد اعتدالاً أو تطرفاً في سلوكه.
كان يُسمح للهامش بأن يقدم شهادته، بينما يحتفظ آخرون بحق إنتاج النظرية.
ومن هنا يمكن فهم إصرار خالد على أن مجتمعات الهامش لم تعد مجرد ضحية تنتظر أن يدافع عنها مثقف من المركز، وإنما أصبحت قادرة على إنتاج مفكريها ومشروعها ورؤيتها للدولة. فالهامش، في تصوره، لا يريد من الآخرين أن يرسموه أو يشرحوا قضيته بالنيابة عنه؛ يريد أن يمسك الريشة، وأن يشارك في رسم السودان كله.
هذه محاولة لاسترداد الكرامة المعرفية، واستجابة لجرح قديم يمكن أن نسميه جرح التمثيل: أن تعيش تجربتك، ثم يأتي من يملك المنبر والتعليم واللغة المعتمدة ليخبرك بما تعنيه تجربتك وما ينبغي أن تريده منها.
ولذلك يصيب خالد حين ينقلنا الى التساؤل عن الدولة التي نريد أن تُحكم، ومن يملك حق المشاركة في تأسيسها؟
ويصيب أيضاً حين يرفض تجميد النور داخل موقفه في عام 2021، عندما دعا إلى الحوار مع الإسلاميين وتحدث عن السياسة باعتبارها فن الممكن. فليس الاتساق أن يكرر المفكر في عام 2026 ما قاله في عام 2021 مهما تغيرت الوقائع. الاتساق الحقيقي هو أن يوضح ما الذي ظل ثابتاً في مبادئه، وما الذي تغير في تقديره للواقع، ولماذا أصبح موقفه الجديد، في نظره، أقرب إلى تحقيق تلك المبادئ.
الفكر الذي لا يراجع أدواته أمام التجربة يتحول إلى عقيدة مغلقة. وقد يصبح التمسك بالموقف القديم، بعد أن يكشف التاريخ عجزه، أكثر تناقضاً مع المبدأ من تغييره.
لكن الاعتراف بحق خالد في هذا كله لا يعفينا من سؤاله عن النقلة الأخطر في حجته: الانتقال من عدالة إعادة تأسيس الدولة، ومن حق الهامش في إنتاج مشروعه، إلى اعتبار «تأسيس» الحامل التاريخي الأقدر لهذا المشروع؛ خاصةً لأنها تجمع، في تصوره، بين الرؤية السياسية والقاعدة الاجتماعية والقوة الميدانية.
هنا تدخل البندقية في الدليل الفكري. لا تعود القوة المسلحة مجرد واقع صعب يضطر المشروع إلى التعامل معه؛ تصبح إحدى علامات جديته وقدرته على مغادرة دائرة الكلام إلى دائرة الفعل.
غير ان القوة الميدانية لا تثبت صحة المشروع، ولا تضمن خضوعها له.
قد تفتح البندقية للمشروع مجالاً أغلقه الخصوم، وقد تحميه مؤقتاً وتغير ميزان القوى لمصلحته، لكنها قد تعيد أيضاً ترتيب التحالف كله وفق مصالحها. وحين يكون المكوّن العسكري أقدر من المدنيين على السيطرة والتمويل وفرض الوقائع، يصبح من الضروي ان نتساءل: من يستخدم من؟ وهل يستخدم المشروع القوة المسلحة لإنجاز غايته، أم تستخدم القوة المشروع ورموزه ومفكريه للحصول على الشرعية التي تحتاج إليها؟
هناك فرق حاسم بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تتداخل في السجال:
عدالة فكرة إعادة تأسيس الدولة؛ وصدق الخطاب الذي يتبنى هذه الفكرة؛ وأهلية التحالف القائم لتحقيقها في بنيته وممارسته.
خالد قوي جداً في الدفاع عن المستوى الأول، ومقنع في شرح جاذبية المستوى الثاني، لكنه لم يقدم بعد ما يكفي لإثبات المستوى الثالث.
فإذا كان «السودان القديم» بنيةً لا مجرد أسماء وشعارات، فإن «السودان الجديد» أيضاً ينبغي ألا يكون مجرد وثيقة جيدة أو لغة تحررية. يجب أن يظهر في كيفية اتخاذ القرار، وفي توزيع السلطة داخل التحالف، وفي العلاقة بين المدني والعسكري، وفي قدرة المثقفين على نقد القيادة المسلحة علناً، وفي التعامل مع الانتهاكات، وفي قبول التحقيق المستقل والمساءلة، وفي وجود خطة واضحة لإنهاء الوظيفة السياسية للبندقية.
لا يكفي أن يحمل المشروع بندقية. ينبغي أن يثبت المشروع أنه يستطيع إخضاع البندقية لمبادئه؛ وإلا أمكن للبندقية أن تحمله زمناً، ثم تضعه جانباً حين تستغني عن لغته وشرعيته.
وهذا السؤال لا يصبح غير مشروع بسبب أن الدعم السريع وجد قاعدته الحالية وسط مجتمعات تعرضت للتهميش، أو بسبب أن خصومه ينتمون إلى دولة المركز القديمة. فقوات الدعم السريع لم تنشأ خارج نظام الإنقاذ في مواجهة الدولة الموروثة؛ نشأت داخل حروب ذلك النظام حتى انهت اعملت سلاحها ولا تزال في ذات الهامش الذي ترفع مظلوميته، وارتبط تاريخها بجهاز الاسلامويون ومصالحهم واقتصادهم العسكري، ثم استقلت عنهم تدريجياً وأصبحت تنازعهم السلطة.
فهل يكفي أن تتغير وجهة البندقية أو خطابها حتى يتغير تكوينها السياسي والأخلاقي؟ . وهل يستطيع المشروع التحرري أن يختار من تاريخ القوة المسلحة ما يلائم مستقبله الموعود، ثم يترك بقية التاريخ خارج الصورة؟.
هنا تظهر الحاجة إلى قراءة المفكرين الذين استدعاهم خالد في تمام أفكارهم، لا في الجزء الذي يؤيد الحجة وحده.
يساعدنا غرامشي على فهم أن الجماعات الاجتماعية الصاعدة تنتج مثقفيها العضويين، وأن السلطة لا تستمر بالقهر وحده وإنما بالهيمنة وإنتاج المعنى. لكنه لا يقول إن المثقف العضوي يصبح معصوماً بسبب ارتباطه بجماعة مهمشة، ولا إن القوة الميدانية دليل كافٍ على ولادة كتلة تاريخية جديدة. فكل قوة اجتماعية، بما فيها القوى الساعية إلى الهيمنة، يمكن أن تنتج مثقفيها العضويين. ويبقى السؤال: هل يحتفظ المثقف بوظيفته النقدية، أم يتحول إلى مترجمٍ أكثر فصاحة لمصالح القوة التي ارتبط بها؟
صحيح ان فانون يمنح العنف موقعاً مفهوماً في تفكيك النظام الاستعماري، لكنه يحذر أيضاً من اللحظة التي ترث فيها النخبة الوطنية أجهزة المستعمر وممارساته، ومن تحول الحزب والقائد والجيش والشرطة إلى دعائم لنظام جديد يتحدث باسم التحرر. ففانون لا يكتفي بالتساؤل حول ما تستطيع البندقية إسقاطه، وإنما عما ستبنيه، ومن سيمتلكها بعد الانتصار، وعلى من يمكن أن تُوجَّه حين ينتهي العدو الأول.
ويؤكد باولو فريري أن التحرر يُصنع مع المقهورين لا بالنيابة عنهم، وهذا يسند رفض خالد للوصاية المعرفية. لكنه يحذر أيضاً من أن يستبطن المقهور صورة القاهر، فيفهم التحرر باعتباره الوصول إلى موقعه واستخدام أدواته. فالتحرر عند فريري ليس أن يحل صوت مكان صوت، أو أن تستبدل جماعة وصايةً بوصاية؛ إنه فعل حواري يحرر علاقة الطرفين ويمنع إعادة إنتاج القهر في اتجاه معاكس.
أما إدوارد سعيد، الذي وضع سلطة التمثيل في قلب أسئلته، فيذكرنا بأن وظيفة المثقف ليست الدفاع غير المشروط عن قومه أو جماعته أو معسكره. امتحان المثقف الحقيقي يبدأ عندما يطبق المبدأ العام على السلطة التي يشعر تجاهها بالقرب والانتماء، ويقول لها ما لا تريد سماعه.
ونغوغي وا ثيونغو يعيد الاعتبار إلى اللغة الإفريقية وإلى حق الشعوب في إنتاج صورها عن نفسها، لكن تحرير العقل لا يعني بناء حدود معرفية مغلقة. غايته كسر احتكار المركز للمعرفة، لا إقامة احتكار مضاد؛ وتوسيع عدد الأصوات القادرة على إنتاج المعنى، لا منح موقع اجتماعي بعينه حقاً حصرياً في الحقيقة.
من هنا أخشى أن يتحول الانتصار الضروري للهامش في استرداد صوته إلى ما يشبه السجن الجديد. يحدث ذلك إذا أصبح الموقع الاجتماعي بديلاً عن الحجة، وإذا عُدَّ كل نقد يأتي من مثقف محسوب على المركز محاولةً لاستعادة الوصاية، وإذا اعتُبرت القوة المسلحة القادمة من مجتمعات مهمشة ممثلاً طبيعياً وتلقائياً لتلك المجتمعات.
فليس كل من جاء من المركز وصياً، كما أن كل من جاء من الهامش ليس معبراً بالضرورة عن إرادة الهامش. والهامش نفسه ليس كتلةً صامتة متجانسة؛ ففي داخله نساء ورجال، ومدن وأرياف، وقبائل وجماعات، ونازحون ولاجئون، ومسلحون ومدنيون، ومصالح ورؤى متعارضة. وقد تنشأ داخله مراكز جديدة وهوامش جديدة، كما يمكن لجماعة خرجت من التهميش أن تمارس التهميش على جماعة أضعف منها.
التحرر المعرفي لا يعني استبدال احتكار باحتكار. معناه إنهاء حق المركز في الكلام منفرداً، لا تأسيس حق مقابل يمنع الآخرين من السؤال. والفرق كبير بين أن يقول المهمش: لن تتحدثوا بعد اليوم باسمنا، وبين أن يقول: لن يكون لمعرفتكم أو أسئلتكم موضع في النقاش.
الأولى استرداد للصوت. أما الثانية فقد تصبح صورةً معكوسة من الهيمنة التي أرادت مقاومتها.
لهذا أريد أن أسأل خالد من داخل أفضل ما في مشروعه:
كيف نحمي الانتصار الضروري للهامش في استعادة صوته وحقه في إنتاج المشروع الوطني، من أن يتحول إلى اعتقاد بأن أصالة الصوت تعفيه من المساءلة، أو أن القوة المسلحة الخارجة من الهامش هي ممثله الطبيعي؟
وكيف يستطيع مشروع وُلد لتحرير الإنسان من وصاية المركز أن يضمن ألا يقع تحت وصاية البندقية التي تحمي مجاله الآن؟
ثم ما الذي يستطيع خالد والنور وسائر المثقفين داخل «تأسيس» أن يقولوه للدعم السريع ولا يريد سماعه؟ هل يستطيعون مطالبته بتحقيق مستقل في انتهاكاته، وبمحاسبة قياداته وأفراده، وبإخضاع موارده وقراره العسكري لسلطة مدنية حقيقية؟ وهل يستطيعون إعلان خلافهم معه إذا تعارضت مصالحه العسكرية والاقتصادية مع وثيقة التأسيس التي يمنحونها أسماءهم ورأسمالهم الفكري؟
هذه الأسئلة لا تنكر حق الهامش في إنتاج مشروعه، وإنما تأخذ ذلك المشروع بالجدية التي يستحقها. فمن يحلم بإعادة تأسيس الدولة كلها ينبغي أن يقبل امتحاناً أشد من امتحان من يريد إصلاح بعض مؤسساتها.
ولعل في تجربة خالد الفنية نفسها جواباً أولياً. فالفن التشاركي لا يرسم الضحايا من أعلى، ولا يمنح الفنان حق إكمال صورهم نيابةً عنهم. إنه يخلق مساحة يمسكون فيها الريشة، ويعبرون عن تجاربهم، ويشاركون الآخرين في إنتاج المعنى.
إذا نقلنا هذه الأخلاق إلى السياسة، فلن يكون السودان الجديد مشروع مثقفي المركز، ولا ملكاً لمثقفي الهامش، ولا دولة تصنعها بندقية المركز أو بندقية الهامش. سيكون فضاءً يشارك الجميع في تأسيسه، مع إعطاء الذين حُرموا تاريخياً وزناً حقيقياً لا رمزياً، من دون أن يمنح ذلك أحداً حق امتلاك اللوحة أو إقصاء بقية الرسامين.
وربما كان خالد الفنان، بخبرته التشاركية وعمله الطويل في تضميد جراح الحرب، أقدر من خالد المنظر السياسي على تنبيهنا إلى الخطر الكامن في منح البندقية دور الرسام الرئيسي.




بالله بلغوا البرهان والكيزان
أنه هكذا يكون الحوار الحقيقي
نفعنا الله بعلمك
وواصلي في ذات الطريق
أيتها المفكرة الشجاعة الالمعية