مقالات وآراء

دارفور لا تستدعي السلطنة حنينًا… بل احتجاجًا على دولة تجاهلت الفيدرالية

زكريا علي عبدالرسول

ليس الحنين إلى الماضي هو ما يدفع بعض أبناء دارفور اليوم إلى استدعاء خطاب «السلطنة»، بل الاحتجاج على حاضر فاشل ودولة أصرت، منذ نشأتها، على إدارة البلاد بعقلية مركزية أقصت الأقاليم وحوّلتها إلى هوامش دائمة.

دارفور لا تبحث عن سلاطين، ولا تحلم بالعودة إلى أنماط حكم تقليدية تجاوزها الزمن، لكنها تسأل سؤالًا سياسيًا مشروعًا: أين الدولة التي وعدتنا بالمواطنة والعدالة والشراكة؟ وحين يغيب الجواب، يصبح استدعاء التاريخ لغة احتجاج، لا مشروع انفصال.
قبل أن تُضم دارفور إلى السودان عام 1916، كانت كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته، له إدارة، وحدود، ونظام حكم محلي مركزه الإقليم لا العاصمة البعيدة. غير أن هذا الإرث لم يُستوعب داخل الدولة السودانية الحديثة على أساس الشراكة، بل جرى التعامل معه بمنطق الإلحاق، وهو منطق استمر وتعمّق بعد الاستقلال.

فالدولة السودانية، بدل أن تؤسس لنظام حكم فدرالي يعترف بالأقاليم كوحدات أصيلة، أعادت إنتاج الاستعمار داخليًا، واحتكرت السلطة والثروة في المركز، ثم استغربت لاحقًا انفجار الهامش. وما جرى في دارفور لم يكن استثناءًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تجاهل الفدرالية كحل جذري لأزمة الحكم.

إن استدعاء «السلطنة» في خطاب بعض الدارفوريين اليوم لا يمكن فهمه خارج هذا السياق. فهو اتهام سياسي للدولة أكثر منه تمجيدًا للماضي. اتهام يقول إن الدولة التي فشلت في حماية القرى، وفي وقف الإبادة، وفي إنصاف الضحايا، وفي منح الإقليم حقه في إدارة شؤونه، لا تملك الحق في تخوين الأسئلة التي يطرحها أبناؤه.

لكن الخطورة لا تكمن في هذا الاستدعاء الرمزي، بل في الإصرار الرسمي على تجاهل أسبابه. فكلما أُغلقت أبواب الإصلاح الحقيقي، فُتحت نوافذ البدائل المتخيَّلة. وكلما جرى الالتفاف على مطلب الحكم الفدرالي، عاد التاريخ ليقدّم نفسه كملاذ سياسي.
الحكم الفدرالي الذي تحتاجه دارفور – ويحتاجه السودان كله – ليس تقسيمًا إداريًا شكليًا، ولا محاصصة سياسية، بل إعادة تأسيس للدولة على قواعد جديدة:

دستورا واضحا وصريحا ينص ويعترف بالأقاليم،واعطاء سلطات حقيقية لحكومات تلك الاقاليم،وتوزيع عادل للموارد، وشراكة متوازنة في القرار السيادي.

في ظل الدولة الفدرالية العادلة، بالتأكيد لن يكون هناك أي معنى لاستدعاء السلطنات او الممالك، لأن الدولة نفسها ستكون حاضرة، وقادرة، وعادلة. أما الإصرار على المركزية، فلن ينتج سوى مزيد من الغضب، ومزيد من الأسئلة التاريخية التي كان بالامكان تجاوزها لو أُحسن التعامل مع جذور الأزمة.

ولا يقتصر درس دارفور على هذا الإقليم وحده، بل هو تحذير لجميع الأقاليم السودانية: شرق السودان، النيل الأزرق، كردفان، وحتي الشمال والوسط، كلهم معرضون لتكرار تجربة التهميش إذا لم يُعترف بحقهم في الحكم الذاتي ضمن الدولة.

الفدرالية ليست ترفًا سياسيًا، ولا خيارًا قابلًا للتأجيل، بل خيار البقاء المشترك لكل الأقاليم، لضمان العدالة، ولمنع أي إقليم من البحث عن سلطاته المفقودة في الماضي. حين تُمنح كل منطقة حقها في إدارة شؤونها، تصبح السودان كلهم موحدا ومتماسكًا، ويختفي شعور غياب الدولة عن شعوبها.

دارفور لا تهدد السودان، ولا تتآمر عليه، بل تكشف عورته السياسية. واستدعاء السلطنة ليس خطرًا على وحدة البلاد، بل إنذار أخير بأن الوحدةالتي تُدار بالتسلط والتهميش، لا يمكن أن تصمد طويلًا امام موجات الغضب الشعبي.

[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..