مقالات وآراء

حين كانت الذاكرة تُربّي الإنسان.. رحيل المواسم في الوسط (٤)

يوسف عبدالرضي

حين نكتب عن رحيل المواسم في وسط السودان، لا نكتب عن الزراعة وحدها، ولا عن مشروع الجزيرة بوصفه مؤسسة اقتصادية، بل نكتب عن مكانٍ صاغ الإنسان من الداخل. مشروع الجزيرة لم يكن مجرد قنوات وترع وحواشات، بل كان مدرسة مفتوحة علّمت أجيالًا كاملة معنى التعايش، والصبر، والعمل الجماعي، والوفاء.
وصلتُ في هذه السلسلة إلى ثلاث مقالات، وكان مشروع الجزيرة هو المحور، لأنه ببساطة كان القلب الذي تنبض حوله الحياة. ذكرياتنا لا تنضب، لأن هذا المشروع لم يزرع القطن فقط، بل زرع فينا القيم. منه تعلّمنا أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن الخير حين يفيض لا بد أن يصل للجميع، وأن الأرض إذا أعطتك، فعليك أن ترد الجميل للناس.
وأود أن أوضح هنا أنني لست مؤرخًا يكتب التاريخ كما تكتبه الكتب الرسمية، بالأرقام والقرارات، بل أكتب ذاكرة المكان. أكتب ما علق في الوجدان، ما يشبهني ويشبه كثيرين كانوا حولي أو في عمري. فالذاكرة الشعبية، مهما بدت بسيطة، هي في جوهرها وثيقة صادقة، لأنها كُتبت بالحياة لا بالحبر.
نحن شعب، في تقديري، لا يُجيد الحديث عن نفسه كما ينبغي. نتحرّج من البوح، ونخاف أحيانًا من الاعتراف بجمالنا الإنساني. لكن المفارقة أن الحديث عن الآخرين، عن تفاصيلهم الصغيرة، يكشف للسامع من نكون نحن. حين تحكي عن الجيران، عن القرية، عن الطفولة، فأنت في الحقيقة تكتب سيرتك الذاتية دون أن تقول “أنا”.
كنت طفلًا عاديًا، واحدًا من ضمن أطفال كُثر. لا بطولة خاصة ولا تميّز، سوى أننا تشكّلنا جميعًا من ذات الطين. لعبنا في المطر زمن الخريف، حيث كان الخريف عيدًا مفتوحًا، لا فصلًا عابرًا. كنا ننتظر الغيم، لا خوفًا من البلل، بل شوقًا للعب، للجري حفاة، للضحك بلا سبب.
لعبنا شليل والرِّمّة، وحرسا، وتعلّمنا مبكرًا معنى المسؤولية، حتى وإن كانت في شكل لعبة. عشنا أيام الطهور، بكل ما فيها من رهبة وفرح، وسرقنا وشحدنا “العادةّ” وعشنا الضحكات من بين الزغاريد، وسهرنا في الحفلات نراقب الكبار وهم يرقصون على إيقاع الحياة.
كنا نصدق الأساطير وفي “الشكلةّ” تقول لي اخوك “كان راجل طالعني الخلا”، ونخاف من البعاتي، ومن البوليس، ومن القراحين (التطعيم) ضد الجدري والحصبةّ والسحاي ويوم التطعيم، حدثًا جللًا؛ يومًا تُعلّق فيه القلوب، وتدخل فيه القرية كلها في حالة استنفار صامت. ليس لأن الناس يجهلون الطب، بل لأنهم كانوا يخافون على بعضهم بصدق.
إذا مرض أحد، مرضت القرية معه. وإذا رقد على سرير المرض، صار خبره حديث الجميع. ويبلغ القلق مداه إذا قيل: فلان قرروا لي حقن أو ركّبوا لي درب. تلك اللحظات تكشف كم كنا متماسكين، وكم كانت الروابط الإنسانية أعمق من أي انتماء آخر.
وكان زمن “شُحّدة الملاح” زمن امتحان حقيقي للأخلاق. فإذا طبخت أمك ملاحًا طيبًا، لم يكن من الممكن أن تأكله وحدك. تحمله بيدك وتطوف به على الجيران، لأن المشاركة لم تكن تفضّلًا، بل واجبًا طبيعيًا. الكبير كان عمّك، وجدّك، وخالك، ولم تكن القرابة تُقاس بالدم وحده، بل بالموقف.
هذه البيئة هي التي صنعتنا هكذا: كنا أوفياء، محبين للغير، متسامحين بطبعنا. لم نتعلّم ذلك من الكتب، بل من الحياة اليومية، من تفاصيل صغيرة تراكمت حتى صارت شخصية جماعية. مشروع الجزيرة، والقرية التي عاشت في ظله، كانا مصنعًا للإنسان قبل أن يكونا مصنعًا للإنتاج.
لهذا أكتب، ولهذا سأواصل. أكتب لأن هذا الجمال يستحق أن يُحكى، ولأن الذاكرة إن لم تُكتب تموت بصمت. سأواصل في زمنٍ أوسع، عن بشرٍ صنعوا المعنى من البساطة، وعن مكانٍ علّمنا أن نكون بشرًا أولًا.
وإلى لقاءٍ قريب، ومعكم دومًا، بإذن الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..