مقالات وآراء

إعادة هندسة النفوذ العربي

✍️ محمد هاشم محمد الحسن.

لم تكن زيارة السيسي إلى أبوظبي زيارة علاقات عامة ولا مجرد محطة في دفتر التنسيق الثنائي، بل جاءت في لحظة إقليمية تختبر فيها العواصم قدرتها على إعادة تعريف مواقعها لا شعاراتها. المنطقة تتحرك تحت سطح هادئ، لكن القاع يموج بإعادة تموضع حقيقية، حيث لم تعد التحالفات تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة كل طرف على إدارة المخاطر وتوزيع النفوذ دون ضجيج. في هذا المناخ تبدو القاهرة وكأنها تعيد حساب المسافة بينها وبين الجميع، لا لتقترب أكثر، بل لتقف في الموضع الذي يمنحها أكبر قدر من الحركة.

العلاقة مع أبوظبي لم تعد علاقة دعم سياسي مباشر كما كانت في سنوات الاضطراب الأولى، بل تحولت إلى شراكة محكومة بحسابات باردة. المال لم يعد منحة، بل استثمار يبحث عن بيئة صلبة، والاستقرار لم يعد شعاراً، بل ضرورة لحماية شبكة مصالح ممتدة. مصر تعرف أن اقتصادها هو نقطة الضغط الكبرى، وأن أي خلل داخلي ينعكس فوراً على وزنها الخارجي. والإمارات تعرف أن استثماراتها في القاهرة ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل بوابة نفوذ طويل الأمد في أكبر دولة عربية من حيث الكتلة البشرية. بين الطرفين تتشكل معادلة دقيقة، حيث لا أحد يمنح بلا مقابل، ولا أحد يقبل أن يُختزل في دور المتلقي.ما يجعل الشراكة أداة استراتيجية لضمان استقرار كل طرف وتعظيم نفوذه في الإقليم.

لكن الظل السوداني كان حاضراً بكثافة، حتى وإن لم يُذكر في العناوين العريضة. السودان لم يعد ساحة صراع داخلي فحسب، بل صار مرآة تعكس تباينات المقاربات الإقليمية. القاهرة تنظر إليه كعمق استراتيجي لا يحتمل المغامرة، وترى في بقاء الدولة المركزية شرطاً لأمنها المائي والحدودي. في المقابل، تتعامل قوى أخرى ببراغماتية أكثر انفتاحاً على تعقيدات المشهد هناك. هذا التباين لا يصل إلى حد القطيعة، لكنه يكفي ليخلق توتراً صامتاً يحتاج إلى إدارة حذرة. الزيارة بدت أقرب إلى محاولة لضبط هذا التوتر قبل أن يتحول إلى تنافس مكتوم يتغذى على الفوضى السودانية.

أما البحر الأحمر، فهو العنوان الذي لا يُكتب كثيراً لكنه يُدار بكثافة. هذا الممر لم يعد مجرد خط ملاحي، بل صار مساحة اختبار لإرادات إقليمية ودولية متداخلة. مصر تراه امتداداً مباشراً لأمنها القومي، والإمارات تراه فضاءً لنفوذ اقتصادي يتعزز عبر الموانئ وسلاسل الإمداد.

التنسيق هنا ليس خياراً تجميلياً، بل ضرورة تمنع انزلاق المنطقة إلى ازدحام نفوذ قد يفتح الباب لقوى خارجية تبحث عن موطئ قدم دائم. ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة في هذا الملف أهم بكثير مما يُقال أمام الكاميرات.

وفي الخلفية يقف التنافس الخليجي بهدوء ثقيل. لم تعد العلاقة بين الرياض وابوطبي نسخة واحدة من التفاهم المطلق، بل دخلت مرحلة تمايز المصالح. مصر تدرك أن انحيازها الكامل لأي طرف يضيق عليها هامش الحركة، لذلك تختار أن تمشي على حبل التوازن، مستفيدة من مساحات الاختلاف دون أن تتحول إلى جزء منه. هذه لعبة دقيقة، لأن التوازن ليس حياداً، بل فن توزيع القرب والبعد في اللحظة المناسبة.

الزيارة، في جوهرها، تعكس انتقالاً من زمن الشعارات الكبرى إلى زمن الحسابات الدقيقة. لا أحد يتحدث عن محاور صلبة، ولا عن اصطفافات نهائية. الجميع يتحرك داخل منطقة رمادية واسعة، حيث تتقدم المصالح على الخطابات، وتُدار الخلافات بصمت. القاهرة تحاول أن تستعيد ثقلها عبر إدارة التعقيد لا عبر مواجهته، وأبوظبي تعزز حضورها كقوة نفوذ اقتصادي تعرف أن السياسة اليوم تُصنع في غرف الاستثمار بقدر ما تُصنع في غرف القرار.

بهذا المعنى، ما جرى في أبوظبي لم يكن مجرد لقاء بين رئيسين، بل محطة في مسار أوسع لإعادة ترتيب شبكة العلاقات العربية في لحظة انتقال ثقيل. كل طرف يعيد تعريف موقعه، وكل تحرك محسوب بميزان دقيق. المنطقة لا تشهد ضجيجاً كبيراً، لكنها تشهد إعادة رسم هادئة لخرائط النفوذ، ومن لا يقرأ ما تحت السطح سيظن أن الأمور تسير على عادتها القديمة، بينما الحقيقة أن العادة نفسها يجري تفكيكها وإعادة تركيبها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..