مقالات وآراء

الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية ( 4 _ 9 )

د. عبد المنعم همت

الحلقة الرابعة:
وهم إيصال الصوت من داخل المؤسسات المصنوعة: حين يُستبدل الشارع بالمنصة

تصل هذه الحلقة إلى قلب التبرير الأكثر شيوعاً الذي استخدمه الحزب الشيوعي السوداني لتسويغ جلوسه داخل برلمان ٢٠٠٥ ( برلمان الحركة الاسلامية ) ، وهو تبرير إيصال صوت الجماهير من داخل المؤسسة التشريعية. هذا الشعار في ظاهره يبدو قريباً من الحس الديمقراطي ويمنح المشاركة معنى أخلاقياً يتعلق بتمثيل الناس والدفاع عن قضاياهم. غير أن التحليل السليم، حين يفكك هذا الادعاء يكشف عن وهم سياسي عميق، يرتبط بسوء فهم لطبيعة الدولة السلطوية ولدور المؤسسات داخلها ولموقع الشارع بوصفه الفضاء الحقيقي للصراع.

في الأنظمة التي تقوم على القهر، لا تُبنى المؤسسات لتمثيل المجتمع، وإنما لضبطه. البرلمان، في مثل هذه السياقات، لا يعمل كأداة تعبير عن التناقضات الطبقية وإنما كآلية لاحتوائها وتحييدها. يُسمح لبعض الأصوات المعارضة بالوجود داخله ليس لأن النظام يعترف بحقها في التغيير وإنما لأنه يحتاج إلى هذا الوجود لإعادة إنتاج صورة التعدد ولإدارة الصراع ضمن حدود آمنة.

فكرة إيصال الصوت تفترض وجود قناة مفتوحة بين المنصة والجماهير وكأن البرلمان جهاز إرسال محايد وكأن الخطاب داخله ينتقل تلقائياً إلى الشارع. هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن الإعلام والأمن والموارد والقدرة على التأثير جميعها كانت محتكرة من قبل السلطة. الصوت الذي يُلقى داخل القاعة لا يصل كما هو وإنما يُفلتر ويُعاد تأطيره ويُفرغ من مضمونه الصراعي.

الأخطر من ذلك أن هذا المنطق يعيد تعريف السياسة من فعل جماعي إلى خطاب تمثيلي. الجماهير، في هذا التصور، تتحول إلى متلقٍ سلبي ينتظر من ينوب عنه في المؤسسات بدلاً من أن تكون هي ذاتها منتجة للفعل السياسي. هذا التحول يتناقض جذرياً مع الماركسية التي ترى أن تحرر الطبقات لا يُنجز بالنيابة وإنما عبر التنظيم والوعي والممارسة المباشرة.

حين يقول حزب ثوري إن صوته يصل عبر برلمان مصنوع فهو يعترف ضمناً بأن هذا البرلمان صار وسيطاً شرعياً بينه وبين الجماهير. هنا تقع المفارقة الكبرى: المؤسسة التي صُممت لعزل الشارع عن السياسة تتحول إلى قناة يدّعي الثوريون استخدامها للوصول إلى الشارع. هذه المفارقة لا تُحل بالنوايا لأنها مرتبطة بالبنية لا بالأخلاق الفردية.

الشارع، في التجربة السودانية، لم ينتظر يوماً خطابات برلمانية ليصنع لحظاته المفصلية. أكتوبر، أبريل، ديسمبر، جميعها وُلدت خارج القاعات واصطدمت مباشرة بأجهزة الدولة. حين يُستبدل هذا الإرث بفكرة إيصال الصوت عبر منصة محروسة بالأمن يكون ذلك إعلاناً غير مباشر عن تراجع مركز الفعل الثوري وانتقاله من المجال الجماهيري إلى المجال المؤسسي.

يُضاف إلى ذلك أن البرلمان نفسه كان جزءاً من هندسة سياسية هدفت إلى إعادة دمج الحركة الإسلامية في الشرعية الدولية بعد سنوات العزلة. وجود قوى معارضة تاريخية داخله ساهم في هذا المسعى، حتى لو رُفع خطاب نقدي من داخله. الخطاب، حين يُنتزع من سياقه الصراعي يتحول إلى عنصر تجميلي، لا إلى أداة تغيير.

من زاوية أكثر اهمية، التمثيل لا يُقاس بعدد الكلمات التي تُقال وإنما بقدرة هذه الكلمات على التحول إلى قوة مادية. هذه القدرة لا تتولد داخل مؤسسة مغلقة، محكومة بلوائح السلطة وإنما تتولد حين يرتبط الخطاب بحركة اجتماعية منظمة قادرة على الضغط والتغيير. دون هذا الارتباط، يصبح الخطاب شكلاً من أشكال الاستهلاك السياسي.

القول إن الجلوس داخل البرلمان كان من أجل كشف النظام من الداخل يفترض أن النظام قابل للكشف عبر آلياته الخاصة. غير أن الأنظمة القمعية لا تُفضح من داخل نصوصها وإنما من خلال تناقضها مع الواقع المعيشي للجماهير. هذا التناقض لا يحتاج إلى منصة تشريعية ليظهر وإنما إلى تنظيم قادر على تحويل الغضب إلى وعي والوعي إلى فعل.

في هذه النقطة بالذات، يظهر الفرق بين العمل داخل الدولة والعمل ضد منطقها. الأول يفترض إمكانية إصلاح الأدوات القائمة والثاني ينطلق من فهم أن هذه الأدوات صُممت لمنع الإصلاح. الحزب الشيوعي بقبوله منطق إيصال الصوت عبر البرلمان انزلق إلى الخيار الأول، حتى وإن احتفظ لغوياً بخطاب الخيار الثاني.
إن وهم إيصال الصوت من داخل المؤسسات المصنوعة ليس خطأً تكتيكياً عابراً، وإنما تعبير عن أزمة أعمق في تصور العلاقة بين الجماهير والدولة، وبين الثورة والمؤسسة. حين يُختزل الفعل الثوري في التمثيل يفقد الشارع مركزيته وتُستبدل السياسة بوظيفة خطابية محدودة الأثر.

في الحلقة القادمة سيتم تفكيك العلاقة بين هذا الوهم وبين قبول الأدوار الرمزية داخل النظام وتحليل كيف يتحول الحزب من قوة تغيير إلى جزء من ديكور سياسي حتى وهو يرفع الشعارات الأكثر جذرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..