لجنة المعلمين السودانيين… صوت المهنة وضمير المدرسة

في زمنٍ تكسّرت فيه البنى المؤسسية وتراجعت فيه أولويات التعليم تحت وطأة الأزمات والحروب، برزت لجنة المعلمين السودانيين بوصفها واحداً من أكثر الأجسام المهنية التصاقاً بقضايا المعلّم والتلميذ على السواء.
لم تكن اللجنة مجرد واجهة مطلبية، بل تحوّلت إلى ضميرٍ حيّ يذكّر الدولة والمجتمع بأن التعليم ليس بنداً هامشياً في الموازنات، بل هو قلب مشروع النهضة وأساس العدالة الاجتماعية.
لقد خاضت اللجنة معارك شاقّة دفاعاً عن حقوق المعلمين المادية والمهنية، ووضعت قضية الأجور العادلة في صدارة النقاش العام، وربطتها – بوعيٍ مهني – بحق التلميذ في تعليمٍ جيد، لأن كرامة المعلّم شرطٌ لجودة الفصل، واستقرار المعلّم بوابةٌ لاستقرار المدرسة.
وأبرز محطات هذا الدور كان قيادتها للإضراب الشهير الذي التفّت حوله أعداد غفيرة من المعلمين، في مشهدٍ أعاد الاعتبار لفكرة العمل الجماعي المنظّم، ورسّخ قناعة أن الحقوق لا تُوهَب بل تُنتَزع بالضغط السلمي الواعي.
وفي هذا السياق، يستحق الأستاذ محمد البخيت الشكر والتقدير على مقاله الرصين الذي تناول فيه دور النقابات بميزانٍ منصف، وجاء عنوانه دقيقاً في تشخيص المسافة بين “النقد المشروع” و“التجريح غير المقبول”.
لقد وضع يده على الجرح حين نبّه إلى خطورة تحويل مآسي الوطن – من دمار مؤسسات الدولة والمدارس وتشريد التلاميذ – إلى مادة للسخرية أو المزايدة، مؤكداً أن المعلمين أنفسهم كانوا ضحايا للحرب قبل أن يكونوا أطرافاً في أي سجال نقابي.
الأجمل في طرح الدكتور بخيت أنه لم يقع في فخ التقديس الأعمى ولا في حفرة الإدانة السهلة.
أشاد بدور لجنة المعلمين السودانيين في لحظة مفصلية، وبقدرتها على حشد الصف المهني ورفع الوعي النقابي، من دون أن يحصّن أي جسم من النقد الموضوعي أو من استحقاقات المؤسسية والشفافية والانتخاب الحر.
هذا التوازن مهم لأنه يفتح أفقاً صحياً للإصلاح: إصلاحٌ لا يُقصي الفاعلين ولا يُجرّم التجربة، بل يبني على منجزاتها ويعالج قصورها.
إن تمجيد دور لجنة المعلمين السودانيين لا يعني ادّعاء العصمة لها، بل الاعتراف بفضلها في إعادة الاعتبار لقضية التعليم كقضية رأي عام، وفي الدفاع عن كرامة المعلم بوصفها دفاعاً عن حق التلميذ في بيئة تعليمية آمنة ومنهجٍ مُحدّث وإدارةٍ رشيدة.
لقد ساهمت اللجنة في نقل النقاش من هامش الرواتب إلى جوهر الإصلاح التعليمي: كيف نعيد بناء المدارس؟
كيف نوفر بيئة تعلم كريمة؟
وكيف نصنع شراكة حقيقية بين المعلم والمجتمع والدولة؟
الخلاصة أن الوطن لا ينهض بتكسير أجسامه المهنية ولا بالسخرية من أنقاض مؤسساته، بل بتقوية ما هو حيّ فيها، وتطويره بالنقد المسؤول، وتوحيد الجهود حول الأولويات الكبرى: أجرٌ عادل للمعلم، مدرسةٌ مُعمّرة وآمنة، تعليمٌ جيّد للتلميذ.
هنا تحديداً يلتقي تمجيد الدور مع واجب الإصلاح، وتتحوّل لجنة المعلمين السودانيين من لحظة احتجاج إلى مشروع مهني طويل النفس، يليق بحلم التعليم الذي يستحقه السودان.




لجنه المعلمين السودانين صوت الحزب الشيوعى وضمير الجنجويد