
في سنوات الديمقراطية الثالثة، حين كان الامام الصادق المهدي رحمه الله على رأس حكومة غير متجانسة، ولم تتفق الاطراف المكونة لها على رؤية واحدة، كانت الخرطوم، مثل غالب مدن السودان، مدينة تحاول ان تعيش رغم السيول التي اجتاحتها واربكت تفاصيلها اليومية. لم يكن المشهد استثنائيًا بقدر ما كان امتدادًا لطبيعة الحياة السودانية التي اعتادت التعايش مع المفاجآت؛ مياه تغمر الشوارع، واسواق تتعثر، وخدمات تتباطأ، لكن الناس يفتحون ابوابهم من جديد، ويعيدون ترتيب يومهم على قدر ما تسمح به الظروف.
في البيوت، كانت النساء ينظفن اثار الطين، ويجهزن ما توفر من خضروات جاء بها رجالهن بعد سعي شاق في اسواق شبه خالية. تسكب القهوة في فناجين صغيرة، وتلعب النساء الودع كمحاولة للهروب من الواقع المعاش، واستكشاف المستقبل المرجو من خلال اصطفاف حباته وقراءتها ممن يجدن ضربه. يدور الحديث عن الاطفال والمدارس والاسعار، وعن ادارة الحياة اليومية باقل الامكانيات. لم تكن التفاصيل بطولية، لكنها كانت تحفظ توازن الحياة، وتظهر قدرة الانسان السوداني على الاستمرار رغم الصعوبات.
وفي صوالين البيوت المخصصة للرجال، وفي بعض النوادي والمقاهي، يجلس اصحاب الفكر والثقافة، لا ينتمون بالضرورة الى حزب، لكنهم معنيون بمصير البلاد. يتبادلون الراي، ويقيمون اداء الحكومة، ويناقشون معنى الديمقراطية وحدودها، ويختلفون دون ان يفقدوا ايمانهم بامكان الاصلاح.
كانت البلاد تعيش توترًا سياسيًا ظاهرًا، غير ان المجتمع ظل يؤدي وظائفه اليومية بهدوء. لم يكن احد يتوقع ان تتغير المعادلة فجاة. ثم جاء صباح الثلاثين من يونيو 1989، فاعلن انقلاب عسكري انهى التجربة الديمقراطية الثالثة، وبدأ فصل جديد تحت لافتة الانقاذ.
في الماضي القريب، كان هناك تيار يعد في تفاصيله، ويبني افكاره، وعينه تحمل طموح الحكم والاستيلاء على مفاصل الدولة. كان هذا التيار هو الحركة الاسلامية بقيادة حسن الترابي، التي استغلت مرحلة النميري في الثمانينات للتغلغل في مفاصل الدولة، وتمكين كوادرها، قبل ان تنفصل لاحقًا وتنفذ اجنداتها السياسية الخاصة في مراحل لاحقة، بما فيها فترة الانقاذ.
مع اعلان انقلاب 30 يونيو 1989، تغيرت معالم السلطة في الخرطوم وكل المدن الكبرى فجاة، وساد شعور بالدهشة والقلق بين الناس. شهدت الطرقات تحركًا غير مألوف للقوات المسلحة، واغلقت المكاتب الحكومية فجاة، او عملت وفق تعليمات جديدة لم تكن واضحة للموظفين. بثت الاذاعات الرسمية بيانات المجلس العسكري، معلنة توليه زمام الحكم، وامرت بالسيطرة على المرافق الحيوية، مع فرض قيود على التجمعات العامة والاعلام المستقل.
وسط هذا التحول، بدأ المواطنون يتلمسون حياتهم اليومية في ظل واقع جديد؛ اسواق شبه خاوية، وبضائع محدودة، وموظفون يعيدون ترتيب اعمالهم وفق اوامر مفاجئة، فيما دار الحديث بين الاهل عن تغيير السياسات واثرها على التعليم والخدمات العامة، مع شعور خفي بالخوف من اي رد فعل قد يعرضهم للمساءلة. شهدت صوالين البيوت والمقاهي تجمعات محدودة لاصحاب الفكر والثقافة، الذين حاولوا قراءة ما يحدث، وتحليل اول خطوات الانقلاب، وتوقع اتجاهات السلطة الجديدة.
تلت ذلك مرحلة الانقاذ، التي ميزت السنوات التالية بسيطرة صارمة على مفاصل الدولة، وضرب المعارضة بشكل ممنهج، واقصائها من اي مشاركة سياسية، مع ممارسة ابشع انواع الاضطهاد في ما عرف لاحقًا ببيوت الاشباح، حيث احتجز المعارضون وتعرضوا للتعذيب والتهديد النفسي. كما شهدت هذه الفترة المفاصلة الشهيرة بين جناحي الحركة الاسلامية، المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني، في الرابع من رمضان عام 1999، ما ادى الى تباينات داخل الحزب اثرت في السياسات الداخلية واستراتيجية الحكم.
في الوقت نفسه، تم تأسيس قوات الدعم السريع، التي بدأت كقوات الجنجويد لاغراض محددة في دارفور لتجنب تورط الجيش الرسمي، ثم اوكلت اليها حماية الحدود، وتوسعت صلاحياتها لاحقًا، لتصبح احد اهم ادوات السيطرة الامنية والسياسية في الدولة. لعبت هذه القوات دورًا مركزيًا في تثبيت النظام، وكانت قوة ضغط دائم على اي محاولات للمعارضة او الاحتجاج.
كما شمل حكم الانقاذ تنفيذ مشاريع محدودة عبر القروض، بينما ذهبت موارد الدولة، بما فيها عوائد البترول، الى مجموعات محسوبة من اصحاب النفوذ، ما القى بثقل الازمات الاقتصادية والاجتماعية على كاهل الانسان السوداني العادي، واسهم في تفاقم الشعور بالاستياء العام.
مع مرور السنوات، تصاعد الغليان الشعبي، واجتاحت الثورة الشارع، وبرز اعتصام القيادة كاحد ابرز ملامح مرحلة الحراك الجماهيري، والذي انتهى بالمجزرة الفظيعة التي اودت بحياة عدد كبير من السودانيين الابرياء. بعد الثورة، جاءت الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، التي حاولت، رغم محدودية ادواتها، بناء توافق بين المدنيين والعسكريين، الا ان التعقيدات السياسية والخلافات مع السلطة العسكرية اثقلت كاهل الحكومة الانتقالية، ما ادى في النهاية الى التغيير الذي قاده البرهان، ووصف بانه خطوة اصلاحية لسياسات الفترة الانتقالية، لكنه كشف ايضًا عن تحرك خفي للجماعة الاسلامية لاستعادة النفوذ في الدولة.
بعد التغيير الذي اقصى الحكومة المدنية، تصاعدت التوترات الاقليمية والقبلية، وسرعان ما بدأت شرارة الحرب. توسع النزاع، وادخل السودان في مرحلة جديدة من الانقسامات والصراعات المسلحة التي عمت المدن والريف على حد سواء، مخلفة آلاف الضحايا، ونزوحًا داخليًا وخارجيًا واسعًا، واعادت رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد.
على الرغم من هذا الدمار، لم يظل العالم صامتًا، بل قدم عددًا من المبادرات الدبلوماسية لمحاولة انهاء النزاع وايجاد ارضية للحوار بين الاطراف المتصارعة. من الامم المتحدة الى الاتحاد الافريقي، مرورًا بالدول الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية في السودان، ظهرت محاولات متكررة لتوحيد جهود الوساطة، والضغط على الاطراف المسلحة لوقف العنف وفتح قنوات التفاوض السياسي. تضمنت المبادرات مقترحات لتشكيل حكومة انتقالية موسعة، ووضع جدول زمني للانتخابات، وضمان مشاركة جميع المكونات السياسية والمدنية في صناعة القرار، مع التركيز على حماية المدنيين واعادة تأهيل الخدمات الاساسية.
لكن كل هذه المسارات، على اهميتها، تظل اطارات ممكنة لا حقائق مكتملة.
ليست الازمات قدرًا ابديًا، ولا الحروب نهاية التاريخ. السودان، الذي جرب الانقلاب كما جرب الثورة، وعرف الانقسام كما عرف التعايش، لا ينقصه المورد ولا الوعي، بل تنقصه لحظة صدق مع نفسه. فالدولة التي تنبت على الخوف تذبل، اما التي تقوم على العدالة فتتجذر.
قد تتاخر المصالحة، وقد يطول ليل السلاح، لكن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها ولا تفقد ايمانها قادرة على اعادة كتابة مصيرها. والسودان، بكل ما حمله من جراح، ما يزال قادرًا على ان يحول رماد مدنه الى بذور، وان يعيد تعريف قوته لا بوصفها سطوة سلاح، بل اتساع وطن.
حين تستعيد السياسة معناها خدمة لا غنيمة، وحين تعود الموارد حقًا عامًا لا امتيازًا خاصًا، سيكتشف السودانيون ان نهر الاحداث، مهما تعكر، لا يتوقف عن الجريان نحو افق اوسع. هناك، فقط، لا تكون الدولة سلطة فوق الناس، بل تعبيرًا عنهم، ولا يكون الامل وعدًا مؤجلًا، بل عملًا يوميًا يعيد للخرطوم وغالب مدن السودان، وللريف، وللقرى البعيدة، نبض الحياة ومعناها.


