أعالي النيل الجريحة النازفة: من ينقذها من الهلاك؟ (الجزء الأول)

بقلم: وليم ساندى دى تور
أعالي النيل… ذلك الاسم الذي أطلقه المستعمرون على الإقليم الممتد من بور جنوباً إلى جودا شمالاً، ومن بنتيو غرباً إلى الناصر شرقاً. إقليم تسكنه قبائل الشلك والدينكا والنوير والمابان والكُوما والمورلي والأنواك، وتشقه شبكة من الأنهار والخيران، في مقدمتها النيل الأبيض، ونهر السوباط، وبحر الجبل، وبحر الزراف، ونهر بيبور، إضافة إلى عشرات الخيران الموسمية، ومنطقة السدود الشهيرة، ومحمية جبل بوما للحياة البرية.
هذا الإقليم يُعد من أغنى أقاليم جنوب السودان. أراضيه الزراعية المطرية ومشاريع الري تنتج الذرة بأنواعها، والسمسم، والصمغ العربي، وغيرها من المحاصيل النقدية. كما يُنتج – في شمال ولاية أعالي النيل وولاية الوحدة وإدارية رويّيق – ما يقارب كامل نفط جنوب السودان، وهو ما يشكل أكثر من 90% من ميزانية الدولة. ومع ذلك، يفتقر الإقليم إلى بنية تحتية حقيقية تربطه بالعاصمة جوبا، ولا تتوفر فيه خدمات صحية وتعليمية وأمنية تعكس حجم ما يرفده من موارد للخزينة العامة.
ومنذ أحداث ديسمبر 2013، تحوّل الإقليم إلى ساحة قتال بين فرقاء الحركة الشعبية لتحرير السودان، فدُمرت القرى، وتشرد السكان، وتقطعت أوصال النسيج الاجتماعي الذي ظل لعقود مضرباً للمثل في التعايش.
من التعايش إلى التقسيم الإداري
وجدت المجتمعات المحلية نفسها، إبان الحكم الاستعماري، ضمن وحدة إدارية سُمّيت “مديرية أعالي النيل”، قُسّمت إلى مراكز يرأسها ضباط تنفيذيون، كانت مهمتهم الأساسية تحصيل الضرائب لصالح الإدارة المركزية، دون أن تعود بعوائد تنموية حقيقية للسكان.
غير أن هذه القبائل، قبل التقسيمات الإدارية الصارمة، كانت تعيش في وئام. صحيح أن لكل قبيلة حدوداً تقليدية معروفة، لكنها لم تكن حدوداً فاصلة تعزل الناس عن بعضهم، بل كانت فضاءات تداخل وتكامل. لم تُسجل حروب تُذكر بين الشلك ودينكا فدانق بسبب حدود إدارية، بل كانت المصاهرة والجيرة وروابط السوق أقوى من أي خط مرسوم على الورق.
ملكال… المدينة الجامعة
كانت ملكال، التي اختارها المستعمر مقراً لمديرية أعالي النيل، مدينة جامعة لا ساحة صراع. لم تكن ملكيتها موضع نزاع قبلي، بل كانت عاصمة إدارية مثل سائر عواصم المديريات السودانية. عُمّرت بضرائب جميع القبائل، فانتمى إليها الجميع دون استثناء.
في أحيائها – حي المديرية، حي بام، حي دناقلة، حي دينكا، حي نوبة، حي زاندي، حي ملكية، حي الجلابة، حي ثورة، حي الصحة، حي أصوصة – تشكلت هوية مدينية جامعة. في مدارسها: البندر، الشعبية، دار السلام، ملكال الأميرية، د. سمعاني، جونقلي، ملكال الثانوية، السلام، وأصوصة، تخرجت أجيال حملت روح المدينة المتسامحة.
وكان أبناء الجعليين والشايقية والدناقلة والنوبة والكريش والدينكا والمورو والباري والزاندي وغيرهم يفتخرون بأنهم “أبناء ملكال”، يتحدثون الشلكية والدينكاوية والنويرية، ويتشاركون في الفرق الرياضية، والليالي الغنائية، وفرق الجاز، ومعهد التربية، والبوليس، وفرقة جاز الشباب.
الروابط الروحية والاجتماعية
لم يكن التعايش اجتماعياً فقط، بل روحياً أيضاً. جمعتهم المعتقدات الإفريقية التقليدية، كما جمعتهم المسيحية والإسلام. كانت بعض نساء الشلك يقصدن معابد “لواك دينقديت” في أراضي نقوك لوال ياك طلباً للشفاء والبركة، وكان الانتماء إلى الكنائس الكاثوليكية والمشيخية جسراً آخر من جسور الوحدة.
قيادات الإدارة الأهلية – رغم عدم تلقيهم تعليماً حديثاً – امتلكوا حكمة ودبلوماسية فطرية في حل النزاعات، فحافظوا على علاقات الجوار والتعايش السلمي. لم تكن الحدود الإدارية سبباً لحمل السلاح، بل كانت الخلافات تُعالج بالحوار والعُرف.
السياسة وإشعال النار
غير أن التحول بدأ مع صعود السياسيين في سبعينات القرن الماضي، ثم تفاقم بعد قيام الدولة الجديدة. أُعيد تفسير الحدود الإدارية باعتبارها حدوداً قبلية، وأُثيرت قضايا ملكية المدن والأراضي، فبدأت عملية استقطاب وتسليح للشباب على أسس إثنية.
تحولت علاقات المصاهرة إلى ثأر، والجيرة إلى خطوط تماس. وصار الإقليم الذي كان نموذجاً للتعايش ساحة للاقتتال، بينما تذهب عائداته النفطية لتمويل الحكومة المركزية دون أن تنعكس تنميةً على أرضه.
سؤال الإنقاذ
اليوم، يعيش أبناء أعالي النيل بين نازح داخل وطنه ولاجئ خارجه. إقليم غني بالموارد، فقير في الخدمات. أرض خصبة تحولت إلى رماد. ومجتمع كان متماسكاً صار ممزقاً.
فمن ينقذ أعالي النيل من هذا النزيف؟
هل هي الدولة التي تستمد أكثر ميزانيتها من موارده؟
أم القيادات السياسية التي أججت الصراع مطالبةً اليوم بمراجعته؟
أم المجتمع الأهلي الذي كان يوماً صمام الأمان؟
أسئلة مشروعة نطرحها في هذا الجزء الأول، على أمل أن يحمل الجزء الثاني رؤيةً عمليةً للخروج من دوامة الهلاك، قبل أن يتحول النزيف إلى موتٍ كامل لإقليم كان يوماً قلب جنوب السودان النابض.




سرد ممتع واتقان الكتابة.