مقالات وآراء

«خمّ الرماد» السياسي.. ومتى نفرح حتى نذرف الدموع!؟

 

رمضان كريم على الشعب السوداني الصابر الصامد، وعلى المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها.
رمضان شهر القيم الكبرى: الصبر، والعدل، وتزكية النفس، وكبح الشهوة — لا شهوة البطن وحدها، بل شهوة السلطة والمال والنهب.
يأتي رمضان هذا العام والسودانيون يجرّون خلفهم أوجاع وطنٍ مُنهك، وطنٍ غدا الفساد فيه ضيفًا ثقيلًا لا يعرف طريق الخروج، بل صار كأنه مقيمٌ دائم لا يفكّر في الرحيل.
في ثقافتنا الشعبية عادة لطيفة تُسمّى «خمّ الرماد»؛ يومٌ يسبق الصيام، يُقبل فيه الناس على مطايب الطعام قبل أن يبدأ الامتحان الكبير: امتحان تزكية النفس والانضباط.
لكن ما يجري في السياسة اليوم ليس «خمّ رماد» بريئًا، بل موسم نَهَمٍ مفتوح على مدار الساعة، كأنّ البعض قرّر أن يصوم الشعب وحده، بينما تفطر خزائن الدولة على موائد النهب والشفشفة.
وكأنما يشعر بعض السياسيين بدنوّ أجل مكوثهم على كراسي السلطة “الدوّارة”، فيسابقون الزمن لملء الجيوب قبل أن تُجمع المقاعد.
رمضان يذكّرنا بأن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناعًا عن الظلم.
وبأن الزهد ليس ترك اللقمة، بل كفّ اليد عن مال الناس.
غير أنّ المشهد العام يقول إن فينا من يصومون أمام الكاميرات ويفطرون في الخزائن، يتحدّثون عن التقشّف ويحيون في بذخٍ لا يعرف التقشّف إليه سبيلًا.
كأنّ الوطن صار وليمة مفتوحة، والفساد ملعقته التي لا تشبع.
الفساد هنا ليس حادثة عابرة، بل منظومة راسخة.
ليس زلّة فرد، بل عادة سلطة.
يتراكم حتى «يُزكم الأنوف»، وتفيض به المجاري حتى تطفح بالوعاتها في الشوارع.
في مثل هذا المناخ، يتحوّل «خمّ الرماد» السياسي إلى سباقٍ مع الزمن:
من يملأ جيوبه قبل أن يملأ الناس الشوارع؟
ومن «يخمّ» أكبر قدر قبل أن يأتي يوم الحساب؟
ويوم الحساب آتٍ… إن لم يكن في الدنيا، ففي ضمير هذا الشعب الذي لا ينسى ولا يُسامح على ضياع الوطن.
رمضان يعلّمنا أن الدول لا تُبنى على الشراهة، وأن الأوطان لا تُدار بمنطق «الحق لمن سبق».
يعلّمنا أن السلطة أمانة، وأن المال العام ليس غنيمة حرب.
والمفارقة الساخرة المبكية أنّ من يرفعون شعارات الأخلاق والدين هم أول من يحتاج إلى درسٍ عملي في معنى الصيام الحقيقي:
صيام اليد عن السرقة، وصيام اللسان عن الكذب، وصيام القرار عن بيع الوطن.
رمضان كريم على السودانيين…
رمضان كريم على الأمهات اللواتي يصنعن الإفطار من القليل، وعلى الآباء الذين يبتسمون رغم الضيق، وعلى الشباب الذين يحلمون بوطنٍ لا يحتاج فيه الصوم إلى معجزة اقتصادية.
رمضان كريم على معلّمي بلادي الذين ينتظرون راتبًا ضعيفًا هزيلًا لا يكاد يغطي شيئًا، لكنه — مع شديد الأسف — لا يأتي، ولا تأتي معه حتى سلة رمضان، ولو مدفوعة القيمة.
ورمضان — لعلّه يكون — فرصةً لمن في السلطة أن يتذكّروا أن «خمّ الرماد» لا يُغني عن يومٍ قادم، لا ينفع فيه التهام ما تبقّى من فتات وطن.
الصوم امتحان.
والشعوب تنجح بالصبر.
أمّا الفساد… فنجاحه مؤقّت، وسقوطه حتمي.
نسأل الله أن يعمّ السلام بلادنا العزيزة، وأن يكون عيد الفطر المبارك فرحتين: فرحةً بصيام الشهر الفضيل، وفرحةً بنيل حريتنا الغالية وانتزاعها من بين أيدي الأقزام الذين طال صومهم عن فعل الخير.
فمتى نفرح حتى نذرف الدموع سخينة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..