مقالات وآراء

شكراً… لأنكم كنتم كتفًا حين غاب الوطن

بقلوبٍ يعتصرها الفقد، ويغمرها الامتنان، *نتوجّه بخالص الشكر والعرفان إلى كافة المنظمات السياسية والمدنية والأهلية*، وإلى الجموع التي تقاطرت إلى سرادقات العزاء في القرى والحضر، سيما بمدينة الضعين، نيروبي، الرياض، القاهرة، كالجاري، لندن، وفي مدنٍ شتّى عبر العالم، مواسيةً لأنفسها ولنا في فقد السودان الجلل: *الدكتور آدم مادبو (1936–2026*).

ونخصّ بالتحية جماهير حزب الأمة الباسلة، وجموع الأنصار الواصلة في كل أنحاء المعمورة، وزملاءه في ميادين العمل العام، وأصهاره آل أحمد مكي عبده ورفقاء دربه وأحبّاءه، وكل من بعث رسالةً خطيّةً أو صوتية، وكل من لم يضنّ بالدعاء في سرّه، أو ردّد اسمه بخيرٍ في خاطره. *لقد وصلتنا مواساتكم ومواساة أبي العلا المعري* كما يصل النور إلى بيتٍ أطفأ الحزنُ مصابيحه، فاستعاد دفئه وشجونه:

وما أكثرَ المُثني علَيكَ ديانَةً
لو أنَّ حِماماً كانَ يَثنيهِ مَن يُثني
يوافيكَ من ربّ العُلى الصّدقُ بالرّضَى
بَشيراً وتلقاكَ الأمانَةُ بالأمْنِ

ونحن نودّع ذوينا، نستشعر — بمرارةٍ مضاعفة — فقدانَ الوطن الذي كان يؤوينا؛ فلا نجد اليوم كتفًا نُسند إليه دموعنا، ولا ظلًّا نلوذ به عند الفاجعة. *ويعتصرنا الأسى على ضياع فرصةٍ للاستفادة من جيلٍ متفرّد*، أُهدرت طاقاته تحت وطأة الدكتاتورية العسكرية، وأرهقته الأوهام الأيديولوجية من ذات اليمين وذات اليسار، حتى تفرّق عطاؤه وتبدّد أثره.

وفي هذا المنعطف القاسي، تبدو *فكرة التوافق الوطني* — مهما بدت موجعة ومكلفة — أهون بما لا يُقاس من الارتهان الكامل للخارج، ومن السقوط في وصايةٍ دولية تُدار فيها البلاد كملفٍّ لا كأمّة. فالتوافق، حتى إن جاء منقوصًا، يظلّ بقايا سيادةٍ نحرسها؛ أما الوصاية فمصادرةٌ مؤجّلةٌ للقرار، تُطفئ ما تبقّى من إرادة.

لقد دفعنا من دم الشجعان من السودانيين ثمنًا فادحًا؛ رجالًا كان أولى بنا أن نصونهم لساعة الشدة، وأن نُبقيهم ذخرًا ليوم الكريهة، لا أن نبدّدهم في صراعٍ أعمى بلا بوصلة. لقد سقطوا ضحية *فتنةٍ أوقد نارها أولياء الشيطان*، فاشتعلت بين الإخوة نارٌ كان يمكن أن تُطفأ قبل أن تلتهم خير ما فينا.

إنها لحظة صدقٍ مع النفس: *أن نواجه إشكاليتنا بشجاعة، وأن نتفكّر في مآلات ظلمنا لأنفسنا*، وأن نتواضع لآراء بعضنا بعضًا، لئلا تفوت علينا فرصة جمع شتات الوطن والنهوض به كما يجب. فكم من أممٍ مرّت بما نمرّ به وأشدّ، لكنها اعتبرت بإخفاقاتها، وراجعت مسيرتها، وصاغت مستقبلها برويّةٍ وحكمة.

*فلنجعل من هذه المواساة عهدًا، ومن هذا الحزن مراجعةً، ومن هذا الفقد ميلادًا لمعنى جديد*. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

رحم الله آدم مادبو، وأحسن عزاء السودان في نفسه، وجمعنا على كلمةٍ سواء، تحفظ السيادة، وتستردّ المعنى، وتعيد للوطن كتفه التي غابت.

*نيابة عن الأسرة وأصالة عن نفسي*،
دكتور الوليد آدم مادبو

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. ربنا يرحمه ويجعل البركة في ذريته ويحميك من كيد عرب الخليج القطريين وبت فرناص الما بتكسر الراس ولو بقت فاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..