محمد نجيب محمد علي… ضد الإحباط

هشام الحلو
تتلبسنا الحالة الشعرية عند “محمد نجيب محمد علي” كحالة من التحدي الوجودي، لا كفعل رثاء للذات؛ فحين يكتب محمد نجيب، فهو لا يسكب الحبر بل يسكب “عصارة الروح” التي جُبلت على التساؤل منذ البدء. تبدو تجربته وكأنها محاولة مستمرة لترميم التصدعات التي يتركها العالم في مخيلة الشاعر؛ فهو الذي يرى أن حياته بدأت بأسئلة ولا تزال معلقة على حبال الروح. وفي عوالمه لا ينفصل الشاعر عن محيطه، فهما في حالة ارتباك متبادل؛ حين يتوه الشاعر يتوه العالم، وحين يتوه العالم يتوه الشاعر، وكلاهما أبناء محنة واحدة شكلت البذرة الأولى التي حملت كل فروع وأغصان تجربته التي توجها مبكراً بديوانه الشعري “ضد الإحباط” الصادر عام 1973، والذي كان بمثابة بيان روحي لجيله.
هذه التجربة التي أنبتت ثمارها حين أضاءت فوانيس الليل دروبه، برزت ملامحها منذ سنوات الدراسة في مدرسة “محمد حسين الثانوية” العريقة؛ حيث بدأت حينها تتشكل ملامح جماعة “الغجر” أو “نبض 71” الثقافية التي ساهم في تأسيسها مع زميل دراسته القاص سامي يوسف غبريال ورفاق دربه محجوب كبلو، ومحمد عثمان عبد النبي، والطيب مهدي، وأحمد مصطفى الحاج وآخرين، لتكون صوتاً متفرداً في جيل السبعينيات الشعري والادبي. ولم يقف عطاء محمد نجيب عند حدود القصيدة الفصحى، بل امتد ليمارس كتابة الشعر الغنائي ببراعة، فرفد الساحة الفنية بأعمال خالدة تغنى بها مطربون كبار مثل أحمد جاويش، ومجذوب أونسه، والجيلاني الواثق، وأبو عركي البخيت؛ وفرقه سكه سفر ، محولاً شجنه الخاص إلى غناء يلامس وجدان الشعب. كما مد جسوراً للتواصل عبر كتابه الذي ضم حوارات صحفية رصينة مع قامات الفكر والأدب، ونال جائزة الطيب صالح للإبداع، وجائزة (باوا) للكتاب الأفارقة، ليظل طوال سنوات عمره وفياً للكلمة والقصيدة.
وفي ذروة هذا الصراع الوجودي، يقف محمد نجيب شامخاً ليواجه الموت لا كضحية، بل كفارس يملي شروطه في لحظة صدق باذخة، وهو يقول في أحد نصوصه الشعرية المعنون باسم “انتظرني”: “أيها الموتُ انتظرني لحظةً كي أصرفَ الأحزانَ عني.. انتظرني ريثما أجمع صوتيَ كي أغني.. كي أرى الفرح الذي يحمل إيقاع التمني والتجني.. لحظةً أنزعُ عن جسدي ملابسَ غربتي.. كيما أجهزُ صرختي.. كيما أجيؤك فارساً أمشي بأقدامي عليك.. أيها الموتُ انتظرني فأنا منكَ إليك.. عذبتني هذه الأرضُ ومزقتِ الفؤادْ.. ضيعتني ثم باعتني.. ولكن لم يفزْ أحدٌ بخاتمةِ المزادْ”.
إن هذه المواجهة هي جوهر فلسفة “ضد الإحباط” التي اختارها عنواناً لمسيرته؛ رغبة في خلع “ملابس الغربة” وتجهيز الصرخة لملاقاة الفناء وجهاً لوجه بكبرياء الفرسان الذين يمشون بأقدامهم على الموت. ورغم أن هذه الأرض عذبته ومزقته وباعته في مزادات الزيف، فهو يقابل الموت وينازله وجهاً لوجه بالفرح لا بالإحباط، ويخرج من الوجود رابحاً لأنه لم يبع روحه، وظل صوته عصياً على الانكسار.
إن محمد نجيب محمد علي يمثل في مجمل تجربته صوت “المقاومة بالجمال”؛ ذلك الإنسان الذي يعصر ألمه ليصنع منه أمل الوجود، والشاعر الذي يرفض السقوط في فخ الإحباط، ليؤكد لنا أن الفرسان الحقيقيين لا يرحلون إلا وهم يغنون، ولا يسقطون إلا وهم قابضون على جمر القصيدة.



