مقالات وآراء

العقد الاجتماعي فيه الحل الشامل للقضايا الجذرية والحديثة (2-2)

قراءة في "صراع الرؤى" للواثق كمير

عبد القادر محمد أحمد/ المحامي

يرى د. الواثق أن عدم حسم القضايا الجذرية التاريخية أدّى إلى بروز خلافات عميقة حول خمس قضايا أفرزتها حرب أبريل، تتمحور حول: قوات الدعم السريع، والقوات المسلحة، وقيادة القوات المسلحة، ودور الإسلاميين، ودور الفاعلين الخارجيين.

ويضيف أن هذه القضايا أصبحت عقبة أمام إنهاء الحرب، وأن الأزمة لم تعد أزمة رؤى، بل غياب توافق وطني حول شكل الدولة، وحدود السلطة، ومصدر الشرعية. لذلك لا بدّ من حوار يعالج هذه القضايا الخمس بوصفها مدخلًا لمعالجة الأزمة الجذرية.

مع كامل التقدير، أرى أن الأزمة الراهنة، في جوهرها، أزمة شرعية ورؤية؛ لذلك لا يكون المدخل في مناقشة القضايا الخمس منفصلة داخل دولة شبه منهارة ومتورطة في الحرب والفوضى، بل بعقد اجتماعي تأسيسي يُسقِط شرعية الأمر الواقع ويعيد تأسيس الدولة على قاعدة الإرادة الشعبية بوصفه مصدر الشرعية، ويحدّد شكل الدولة وحدود السلطة وكيف تُنهى الحرب. وضمن هذا الإطار تُضبط القضايا الخمس بوصفها نتائج للأزمة لا مدخلًا لحلّها.

والفرق المنهجي هنا ليس في الحلول التفصيلية، بل في نقطة البدء؛ فحين تُناقش القضايا الخمس بوصفها موضوعات تفاوض، تصبح خاضعة لموازين القوة وحسابات المتصارعين. أمّا حين تُحسم في إطار عقد تأسيسي، فإنها تخضع لمبدأ شرعي عام يُعيد تعريفها ويحدّد مآلاتها سلفًا، فتغدو تطبيقًا لقاعدة متوافق عليها لا نتيجةً لمساومة ظرفية.

وعلى هذا الأساس النظري، ينتقل العقد الاجتماعي من مستوى التأصيل إلى مستوى الإجراء، فتحوَّل مبادئه العامة إلى حلول عملية للقضايا الخمس، بحيث تُحسم وفق قواعد شرعية ومهنية ثابتة، بعيدًا عن المساومات، وفق التفصيل التالي:

* احتكار الدولة للقوة، بحيث يصبح أي وجود لقوة موازية، بما فيها الدعم السريع، غير مشروع، ويُعالَج عبر الدمج أو الحل وفق قواعد عامة.
* إعادة تعريف عقيدة القوات المسلحة ودورها بما يضمن خضوعها لسلطة مدنية منتخبة، فلا يكون هناك حوار حول دور سياسي للجيش في المرحلة الانتقالية، بل يقتصر دوره على وظيفته المهنية في حماية الدولة ونظامها الدستوري.
* تحديد قيادة القوات المسلحة ومساءلتها وفق قواعد مهنية ودستورية واضحة تُنظِّم التعيين والمحاسبة، لا باعتبارها صراع أشخاص.
* منع احتكار الدولة باسم أي أيديولوجيا، وإخضاع دور الإسلاميين وكل الفاعلين السياسيين، لقاعدة المواطنة المتساوية والالتزام الصريح بأحكام العقد التأسيسي، بما يسدّ منافذ الالتفاف أو التعطيل أو إعادة التمكين تحت أي غطاء تنظيمي أو دعوي.
* إقرار مبدأ السيادة الوطنية ومرجعية القرار الداخلي كما يحددها الإطار التأسيسي، وعلى ضوء ذلك يُحدَّد دور الفاعلين الخارجيين.

وهكذا، يُعالِج العقد الاجتماعي القضايا الخمس تلقائيا بإعمال قواعد شرعية متوافق عليها، من غير أن ينزلق إلى مساومات بين قوى متصارعة. أمّا توصيف هذه القضايا بأنها جوهر الخلاف وشرطًا مسبقًا لإنهاء الحرب، فقد يفضي إلى الالتفاف على الأسئلة الجذرية وتعليق حسم مسائل الشرعية وشكل الدولة وحدود السلطة.

وإذا كان هذا هو مضمون العقد ووظيفته، فإن السؤال العملي يكون: كيف يُجاز في ظل الحرب وحالة النزوح؟ في هذا الواقع لا مجال لإجراء استفتاء شعبي أو برلماني. لذلك فإن إجازة العقد بتوقيعات الكيانات السياسية والمجتمعية تصبح ضرورة واقعية، دون إلغاء حق الشعب لاحقًا.

في تجارب بعض الدول التي مرت بأزمات مشابهة، جرى تأجيل الاستفتاء والاكتفاء بتوقيعات الأطراف الفاعلة لوقف القتال وإنشاء مؤسسات وإدارات انتقالية. غير أننا لسنا في حاجة إلى الاستشهاد؛ فهدفنا وقف الانهيار وإنقاذ المدنيين. كما أن العقد الاجتماعي ليس قالبًا جامدًا، بل يُصاغ ويُنفَّذ وفق واقع كل دولة وظروفها.

أمّا القوة التنفيذية للعقد، فعندما تتوافق عليه الكيانات السياسية والمجتمعية الممثلة لغالبية الشعب، يكتسب شرعيته ويتحوّل إلى مرجعية عامة تُقيِّد سلطة الأمر الواقع وتعيد تعريف المشروعية، وتنقل الصراع من منطق الغلبة والسلاح إلى منطق الدولة والقانون. كما يشكّل آلية ضغط سياسي ونفسي، داخليًا ودوليًا، على الرافضين للسلام، فيضعهم أمام خيارين: الاستجابة لمسار السلام أو تحمّل كلفة العزلة والضغط.

ختامًا، في ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد المأزوم، فإن المدخل ليس في تجزئة الأزمة إلى ملفات تفاوضية، بل في تأسيس شرعية تعيد ترتيب القضايا جميعها في إطار جامع؛ بما يضع حدًا للحرب، ويمنع انهيار الدولة، ويمنحها قدرًا من الاستقرار اللازم لإعادة البناء. وذلك هو جوهر وظيفة العقد الاجتماعي التأسيسي.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..