الأمم المتحدة تحذر من تحول الحرب في السودان إلى نزاع إقليمي

حذرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو من خطر انزلاق الصراع في السودان نحو بعد إقليمي يهدد استقرار المنطقة بأسرها، مؤكدة أن استمرار القتال واتساع رقعته ينذران بتداعيات خطيرة. وجاءت تصريحاتها خلال جلسة دورية لمجلس الأمن في نيويورك خُصصت لبحث تطورات الأوضاع في السودان اليوم الخميس.
واستهلت ديكارلو إحاطتها بالتذكير بمرور نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، مشيرة إلى أن البلاد تعيش “ألف يوم من حرب وحشية كادت أن تدمر ثالث أكبر دولة في أفريقيا”، مضيفة أن “هذه الفترة اتسمت بعنف مروع ومعاناة لا توصف وإفلات تام من العقاب لمرتكبي الفظائع وجرائم الحرب”، وأكدت أنه “مع اقتراب دخول النزاع عامه الرابع، تتسع رقعة المواجهات، لا سيما في ولايات شمال دارفور وشمال كردفان وجنوب كردفان والنيل الأزرق”.
بؤر الصراع
وقالت المسؤولة الأممية: “لا يزال شمال كردفان بؤرة للصراع. فالعاصمة، الأبيّض، محاصرة من ثلاث جهات من قبل قوات الدعم السريع. وتواصل القوات المسلحة السودانية تعزيز وجودها في المدينة ومحيطها، التي تُعد مركزًا لوجستيًا رئيسيًا للعمليات الجارية في إقليم كردفان”، وحذرت من أن “اندلاع قتال بري داخل الأبيض سيؤدي إلى عواقب وخيمة، وسيوجه ضربة قوية لفرص التوصل إلى وقف إطلاق النار”.
وتوقفت عند فتح “الدعم السريع جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق، حيث شنت هجمات على مناطق جنوبية في يناير/ كانون الثاني. وبينما يبدو أن قوات الدعم السريع تسيطر على معظم دارفور، فقد اندلع القتال أخيرًا في شمال وغرب دارفور بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية وحلفائهم من القوات المشتركة، بما في ذلك اشتباكات على طول الحدود السودانية التشادية”، ولفتت الانتباه إلى أنه “في هذه المناطق وغيرها أصبح استخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى والضربات الجوية من قبل الطرفين سمة بارزة لهذا الصراع”، محذرة من “العواقب الوخيمة لذلك على المدنيين والبنية التحتية المدنية. فلا ركن من أركان السودان بمنأى عن خطر الهجوم”.
خطر اتساع رقعة الصراع
كما حذرت مساعدة الأمين العام للشؤون السياسية من “خطر اتساع رقعة الصراع إقليميًا”، وقدمت أمثلة على ذلك، حيث أعلنت حكومة تشاد، في 16 يناير/ كانون الثاني، عن مقتل سبعة جنود تشاديين خلال مواجهة مع عناصر من قوات الدعم السريع في المنطقة الحدودية. وقد أقرت قوات الدعم السريع لاحقًا بالاشتباك، واصفة الحادث بأنه “خطأ غير مقصود””.
وأشارت أيضًا إلى تقارير “عن تحركات الجماعات المسلحة عبر حدود السودان وجنوب السودان في كلا الاتجاهين. وهذه ليست سوى بعض بؤر التوتر المحتملة في الحرب السودانية التي قد تُزعزع استقرار المنطقة بأسرها”، ولفتت الانتباه أيضًا إلى تقارير حول “استمرار تهريب الأسلحة عبر دول الجوار السودانية. ويؤكد تصاعد التوترات والخطابات بين الدول المجاورة بشأن الوضع في السودان تأثير الصراع على الاستقرار الإقليمي”.
الفاشر ومناطق أخرى
وقالت المسؤولة الأممية إنه “كان من الممكن تجنب الأحداث المروعة التي وقعت في الفاشر في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. فبينما كانت الفاشر محاصرة لأكثر من عام، دقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان ناقوس الخطر مرارًا وتكرارًا بشأن خطر وقوع فظائع جماعية. لكن هذه التحذيرات لم تُؤخذ على محمل الجد”.
ولاحظت أن المفوض السامي لحقوق الإنسان نبه المجتمع الدولي إلى احتمال وقوع جرائم مماثلة في كردفان، حيث “يواجه المدنيون مجددًا خطر الإعدامات الميدانية، والعنف الجنسي، والاعتقال التعسفي، وتفريق الأسر”. وأضافت: “تشير التقارير إلى أن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات كان واسع الانتشار خلال الهجوم الأخير لقوات الدعم السريع على الفاشر. كما أن النساء والفتيات أكثر عرضة للنزوح والفقر والإقصاء الممنهج”، وشددت على أنه “حان الوقت للتحرك لمنع تكرار هذه الفظائع في مناطق أخرى من البلاد”.
مسار سياسي
وتحدثت ديكارلو عن “جهود رامية إلى إيجاد سبيل نحو السلام”، ورحبت في هذا السياق “بالتقدم المحرز في المبادرة التي تقودها دول الحوار الرباعي – مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة – لتأمين هدنة إنسانية في السودان”، ورأت أن هذه “الجهود تتيح فرصة بالغة الأهمية لخفض التصعيد الفوري والضروري، وقد تمهد الطريق لوقف مستدام للأعمال العدائية”، داعية “طرفي النزاع إلى الانخراط في هذه المبادرة بحسن نية ودون شروط مسبقة. ونرحب بالمناقشات الجارية حول الدعم المحتمل من الأمم المتحدة لتنفيذ هدنة إنسانية”.
كما شددت ديكارلو على أهمية بذل جهود لإحراز تقدم في رسم رؤية سياسية لمستقبل السودان، بحيث “يؤدي وقف إطلاق النار إلى عملية سياسية ذات مصداقية تمهد الطريق لانتقال شامل”، واعتبرت أن الشراكة بين أعضاء المجموعة الخماسية (الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة)، أساسية لهذا العمل. ويُشار في هذا السياق إلى أن مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي حضر الجلسة، صرح في مداخلته أمام المجلس بأن بلاده تعمل على التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان دون أي شروط مسبقة، مشيرًا إلى تحضيرها أيضاً لإنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة لمراقبة الهدنة ودخول المساعدات الإنسانية.
الوضع الإنساني
من جهتها، تحدثت مديرة قسم الاستجابة للأزمات في مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إيديم ووسورنو عن التصعيد في الأسابيع الأخيرة والهجمات بالطائرات المسيرة في ولايات كردفان الثلاث، التي أجبرت أكثر من مليون شخص على النزوح في المنطقة، ولفتت الانتباه إلى تقرير صادر عن “الآلية الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان” في وقت سابق من اليوم، يصف الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر ومحيطها في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بأنها، على حد تعبيرها، “مؤشرات إلى مسار إبادة جماعية”.
وأشارت ووسورنو إلى تقرير صادر عن “نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”، الذي يحذر من أن “معدلات سوء التغذية الحاد في منطقتي أم بارو وكيرنوي، شمال دارفور، تجاوزت عتبات المجاعة في ديسمبر/ كانون الأول”، ولاحظت أنه “رغم أن هذه المستويات لا تُصنف ضمن حالات المجاعة، إلا أن سوء التغذية يثير قلقًا بالغًا. وإلى منطقة الطويلة، شمال دارفور، لا تزال العائلات تصل بحثًا عن الأمان”، كما أشارت إلى تحذير “التصنيف المرحلي المتكامل” من أن “عدد الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات الذين يُقدر أنهم يواجهون سوء التغذية الحاد وصل الآن إلى 4.2 ملايين”.
العربي الجديد



