مقالات وآراء

ما هي “الدولة الوظيفية”؟

حسن طه

ما هي “الدولة الوظيفية”؟

الدولة الوظيفية هي دولة يعتمد وجودها وبقاؤها بشكل أساسي على الوظيفة التي تؤديها لصالح جهات فاعلة أخرى – عادةً ما تكون قوى إقليمية أو عالمية أو النظام الدولي – بدلاً من اعتمادها على شرعيتها الداخلية أو هويتها الوطنية أو مؤسساتها القوية.

بعبارة أخرى:

الدولة الوظيفية هي دولة موجودة لأنها مفيدة، لا لأنها قوية داخلياً.

يمكن أن تتخذ هذه الفائدة أشكالاً عديدة. قد تبقى الدولة قائمة لأنها تعمل كـ:

منطقة عازلة بين القوى المتنافسة

ممر للتجارة أو الموارد

درع أمني

مقر لقواعد أجنبية

غطاء قانوني للعمليات الخارجية

منطقة استقرار في منطقة مضطربة

الفكرة الأساسية هي أن الدور الخارجي للدولة يصبح أكثر أهمية من تماسكها الداخلي.

كيف تتصرف الدولة الوظيفية

عادةً ما تُظهر الدولة الوظيفية عدة أنماط:

1. الشرعية الخارجية أهم من الشرعية الداخلية

تستمر الحكومة بفضل دعم القوى الأجنبية، لا بفضل ثقة مواطنيها بها.

2. يُبنى الاقتصاد حول دور محدد

على سبيل المثال:

دولة ميناء

دولة عبور

دولة مُصدِّرة للموارد

دولة مُضيفة للجيش

الاقتصاد غير مُتنوع؛ فهو مبني حول هذا الدور.

3. هوية وطنية ضعيفة

لأن الدولة لم تتشكل عبر عملية تاريخية داخلية طويلة، فإنها غالبًا ما تفتقر إلى:

رواية وطنية موحدة

مؤسسات قوية

شعور مشترك بالانتماء

4. سيادة مُجزأة

غالبًا ما تمتلك الدول الوظيفية:

ميليشيات

مراكز قوة إقليمية

نفوذ أجنبي في قطاعات رئيسية

الدولة “متكاملة” على الورق، لكنها مُجزأة في الواقع.

5. تعتمد النخبة الحاكمة على رعاة أجانب

تبقى الطبقة السياسية في السلطة لأنها تؤدي الوظيفة التي يريدها الأجانب.

من أين أتت الفكرة؟

إن مصطلح “الدولة الوظيفية” ليس مصطلحًا رسميًا كلاسيكيًا في العلوم السياسية، مثل “الدولة القومية” أو “الدولة الريعية”.

بل نشأ تدريجيًا من عدة تقاليد فكرية.

فيما يلي التسلسل الزمني الحقيقي للفكرة:

1. الوظيفية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا (أوائل ومنتصف القرن العشرين): جادل مفكرون مثل مالينوفسكي، ورادكليف براون، وتالكوت بارسونز، بضرورة فهم المؤسسات من خلال الوظائف التي تؤديها في المجتمع.

وقد أدى ذلك إلى ظهور عادة فكرية تتمثل في التساؤل:

“ماذا تفعل هذه المؤسسة؟ ما الوظيفة التي تؤديها؟”

وقد أثرت هذه العقلية لاحقًا على العلوم السياسية.

2. الوظيفية في العلاقات الدولية (أربعينيات وستينيات القرن العشرين):

في نظرية العلاقات الدولية، تشير “الوظيفية” إلى فكرة أن التعاون ينمو عندما تُنشئ الدول مؤسسات لأداء مهام محددة (النقل، الصحة، التجارة).

أدى ذلك إلى ظهور فكرة مفادها أن الهياكل السياسية يمكن بناؤها حول الوظائف، لا الهويات.

3. دراسات الدولة ما بعد الاستعمارية (السبعينيات – التسعينيات)

هنا تبرز أهمية هذه الفكرة.

لاحظ الباحثون الذين درسوا أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا أن العديد من الدول:

كانت حدودها مرسومة من قبل القوى الاستعمارية

كانت مؤسساتها الداخلية ضعيفة

بقيت في ظل النظام الدولي الذي اعترف بها

اعتمدت على المساعدات الخارجية، أو الجيوش الأجنبية، أو الدعم السياسي الأجنبي

أدى ذلك إلى ظهور مفاهيم مثل:

أشباه الدول (روبرت جاكسون)

الدول الضعيفة (جويل ميغدال)

دول أمراء الحرب (ويليام رينو)

السوق السياسية (أليكس دي وال)

لم يستخدم هؤلاء الباحثون دائمًا مصطلح “الدولة الوظيفية”، لكنهم وصفوا الظاهرة نفسها:

الدول التي تبقى لأنها تؤدي دورًا في نظام أوسع.

٤. التحليل السياسي للشرق الأوسط وأفريقيا (من التسعينيات حتى الآن)

في الكتابات السياسية العربية، وخاصةً حول:

الأردن

لبنان

دول الخليج

السودان

جيبوتي

جنوب السودان

شاع استخدام مصطلح “الدولة الوظيفية”.

استخدمه الكتّاب لوصف الدول التي:

أُنشئت أو حُوفظ عليها لخدمة غرض جيوسياسي

تعتمد على قوى خارجية

تفتقر إلى شرعية داخلية راسخة

وهنا اكتسب المصطلح زخمًا حقيقيًا في الخطاب العام.

متى ظهر المصطلح في الخطاب السياسي؟

لا يوجد عام أو كتاب محدد ظهر فيه مصطلح “الدولة الوظيفية”.

بل تطور عبر عدة مراحل:

الخمسينيات والستينيات

يقدم المنهج الوظيفي في علم الاجتماع والعلاقات الدولية فكرة تحليل المؤسسات من خلال وظائفها.

سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين

بدأ الباحثون في دراسة دول ما بعد الاستعمار بوصف الدول التي تستمر بفضل أدوار خارجية.

تسعينيات القرن العشرين

تتضح الفكرة أكثر مع الدراسات التي تناولت الدول الضعيفة، وشبه الدول، والأنظمة المدعومة خارجياً.

ألفية القرن العشرين – عشرينيات القرن العشرين

شاع استخدام مصطلح “الدولة الفعّالة” في التحليلات السياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وخاصة في اللغة العربية.

إذن، المصطلح ليس قديماً، لكن الفكرة الكامنة وراءه تعود إلى قرن تقريباً.

لماذا يُعدّ هذا المفهوم مهماً اليوم؟

لأن العديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى تُعاد تشكيلها ليس بفعل التطور السياسي الداخلي، بل بفعل:

القواعد العسكرية الأجنبية

ممرات الموارد

مراقبة الهجرة

مكافحة الإرهاب

التنافس بين القوى العظمى

جيوسياسة البحر الأحمر والمحيط الهندي

في هذا العالم، يصبح السؤال:

هل الدولة موجودة من أجل شعبها، أم من أجل الوظيفة التي تؤديها للآخرين؟

وهذا هو بالضبط سبب أهمية هذا المفهوم بالنسبة للسودان

هل السودان دولة وظيفية؟

إذا استخدمنا مصطلح “الدولة الوظيفية” بالمعنى السياسي – أي الدولة التي يعتمد بقاؤها على أداء وظيفة محددة بدلاً من امتلاك شرعية داخلية راسخة – فإن السودان اليوم ينطبق عليه هذا الوصف . السودان ليس دولة وظيفية بالمعنى التقليدي كالأردن (كمنطقة عازلة)، أو جيبوتي (كمركز عسكري)، أو جنوب السودان (كمركز نفطي). بدلاً من ذلك، مرّ السودان بثلاث مراحل:

1) تاريخياً: لم يكن السودان دولة وظيفية

من عام 1898 إلى عام 1956، كان السودان كياناً إدارياً استعمارياً، ولكنه لم يكن منطقة عازلة وظيفية أو دولة استخراج موارد بالمعنى الضيق. لقد كانت دولة إقليمية بُنيت عن طريق الغزو، وليس من خلال وظيفة جيوسياسية واحدة.

بعد الاستقلال، كان لدى السودان:

جهاز بيروقراطي حقيقي

طبقة سياسية وطنية

اقتصاد فعال

دولة تمارس السيادة (وإن كانت بشكل غير متساوٍ)

2) ما بعد 1989: أصبح السودان دولة هجينة

في عهد البشير، طور السودان خصائص:

حالة أمنية (وظيفتها حماية النظام)

دولة ريعية-عميل، مثل إرسال قوات إلى اليمن والمملكة العربية السعودية(وظيفتها تقديم خدمات لقوى خارجية مقابل الدعم)

دولة مجزأة (وظيفتها إدارة الفرقات بين المليشيات)

لكنها مع ذلك لم تكن وظيفية بحتة. كان لديه:

جيش وطني

خدمة مدنية

نظام ضريبي

هوية سياسية

لذلك كانت دولة ضعيفة، وليست وظيفية.

3) منذ أبريل 2023: السودان يتجه نحو “ادولة وظيفية” بحتة.

عندما تنهار دولة ما مؤسسياً ولكنها تستمر في الوجود على المستوى الدولي، فإنها غالباً ما تصبح وظيفية – مما يعني أن بقاءها يعتمد على الوظيفة التي تؤديها للجهات الفاعلة الخارجية.

اليوم، بات السودان أقرب إلى دولة شبه وظيفية:

أ) سيادة مجزأة

تسيطر القوات المسلحة السودانية على أجزاء من الشرق والشمال

تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء من الغرب والوسط

تملأ السلطات المحلية الفراغ

هذا نمط شائع في الدول التي تتجه نحو التفعيل الوظيفي.

ب) تحدد جهات خارجية “الوظيفة”

ترغب قوى مختلفة في أن يؤدي السودان أدوارًا مختلفة:

مصر: منطقة عازلة وحليف

الإمارات العربية المتحدة: ممر لوجستي وموارد

السعودية: استقرار على البحر الأحمر

روسيا: منفذ إلى ميناء بورتسودان

القوى الغربية: احتواء إنساني

عندما يعتمد بقاء الدولة على هذه التوقعات الخارجية، تصبح وظيفية.

ج) انهيار المؤسسات الوطنية

لا جيش موحد

لا شرطة وطنية

لا نظام ضريبي مركزي

لا احتكار للعنف

هذا هو المسار الكلاسيكي من دولة ضعيفة إلى دولة فاشلة ثم إلى دولة وظيفية.

إذن، هل السودان دولة وظيفية الآن؟

إجابتي التحليلية:

السودان ليس دولةً كاملة الصلاحيات بعد، ولكنه يتطور بسرعة ليصبح كذلك للأسباب التالية:

فقد سيادته الداخلية

يعتمد بقاؤه على مصالح خارجية

يعتمد فاعلوه السياسيون على رعاة أجانب

يجري إعادة تنظيم أراضيه وفقًا لوظائف محددة (التعدين، الممرات، الموانئ، الميليشيات)

بعبارة أخرى:

لم يعد السودان دولةً كاملة الصلاحيات، ولكنه ليس دولةً مستقرةً وفعّالة بعد. إنه في منطقة انتقالية خطيرة.

وهذه هي تحديدًا المنطقة التي بقيت فيها دول مثل:

الصومال (1991-2004)

الكونغو (1997-2006)

ليبيا (2011-حتى الآن)

السؤال الأعمق: هل تُعاد هندسة السودان ليصبح دولة وظيفية من قِبل قوى خارجية؟

هل كان السودان دولة وظيفية منذ استقلاله؟

استخدمت مصر والدول العربية السودان لإضعاف إثيوبيا.

لعب السودان دورًا في فصل إريتريا عن إثيوبيا.

أثرت مصر على الانقلابات في السودان لإبقائه ضعيفًا.

دافع الجيش السوداني عن المصالح المصرية في مياه النيل.

هذه نظرية، تتوافق مع العديد من الحقائق، لكنها تحتاج إلى وضعها في سياقها التاريخي الصحيح.

دعونا نحللها.

1. لم يكن استقلال السودان “سياديًا” بالكامل، فقد صاغته مصر منذ البداية.

جاء استقلال السودان عام 1956 من الحكم الثنائي الأنجلو-مصري، وهو هيكل:

سيطرت بريطانيا على الإدارة.

ادعت مصر السيادة.

وجدت النخب السودانية نفسها عالقة بين الطرفين.

كان هدف مصر واضحًا دائمًا:

إبقاء السودان متحالفًا مع القاهرة، لا مع أديس أبابا.

هذا يمنح السودان بالفعل دورًا وظيفيًا:

منطقة عازلة جنوبية تحمي مصالح مصر على النيل.

لذا، نعم، منذ البداية، كانت سيادة السودان مشروطة ومُشكّلة خارجيًا.

٢. تورط السودان في انفصال إريتريا عن إثيوبيا

هذه نقطة بالغة الأهمية.

كان السودان قاعدة رئيسية لـ:

جبهة تحرير إريتريا (ELF)

لاحقًا، جبهة تحرير شعب إريتريا (EPLF)

جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)

لماذا دعمهم السودان؟

ليس لأن السودان كان لديه استراتيجية وطنية.

بل لأن:

مصر أرادت إضعاف إثيوبيا

الدول العربية أرادت حليفًا على البحر الأحمر

الحرب الباردة جعلت إثيوبيا هدفًا

الإسلاميون السودانيون أرادوا نفوذًا في القرن الأفريقي

أصبح السودان منصة لأجندات إقليمية.

هذا سلوك نموذجي للدولة الوظيفية:

دولة تُستخدم كقاعدة انطلاق لتحقيق أهداف استراتيجية لقوى أخرى.

٣. النفوذ المصري في الانقلابات السودانية

هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي حقيقة تاريخية موثقة.

كان لمصر دور (مباشر أو غير مباشر) في:

انقلاب عبود عام ١٩٥٨

انقلاب نميري عام ١٩٦٩ (عبر شبكات القوميين العرب)

انقلاب البشير عام ١٩٨٩ (عبر تحالفات إسلامية عربية)

محاولات عديدة لتشكيل القيادة العسكرية السودانية

لماذا؟

لأن العقيدة الوطنية المصرية بسيطة:

“يجب ألا يصبح السودان قويًا بما يكفي لتحدي مصر على النيل”.

لذا فضّلت مصر:

سودانًا ضعيفًا

سودانًا منقسمًا

جيشًا سودانيًا يعتمد على القاهرة

قادة سودانيين يخشون الضغط المصري

وهذا يتوافق مع نموذج الدولة الوظيفية:

النظام السياسي السوداني مصمم لخدمة أمن مصر المائي.

٤. الجيش السوداني يدافع عن المصالح المصرية

تاريخيًا، كان الجيش السوداني:

متوافقًا مع العقيدة العسكرية المصرية

متجنبًا أي مواجهة مع مصر

داعمًا لموقف مصر بشأن النيل

مؤديًا دور “الدرع الجنوبي” لأمن مصر المائي

حتى خلال أزمة سد النهضة، كان موقف الجيش السوداني:

أقرب إلى مصر منه إلى مصالح السودان طويلة الأمد

معاديًا لإثيوبيا

داعمًا للروايات المصرية المتعلقة بالسياسة المائية

هذا ليس سلوكًا طبيعيًا لدولة ذات سيادة.

بل هو سلوك دولة فاعلة ترى نخبتها العسكرية دورها في حماية المصالح الاستراتيجية لدولة أخرى.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..