مقالات وآراء

التواضع… الاسم الشارح للإسلام

قراءة لغوية ووجودية في غياب اللفظ وحضور المعنى

الريح عبد القادر محمد عثمان

🌿 تمهيد: حين يفقد المفهوم اسمه
التواضع، هذه الكلمة التي نُكرّرها في أحاديثنا اليومية بوصفها خُلقًا من الأخلاق، ليست كلمة كغيرها من الكلمات في الوجدان الإنساني، بل هي — في أصلها — المرآة التي تعكس حقيقة الإنسان أمام الله والناس.
غير أننا مع مرور الزمن أفقدنا هذه الكلمة العظيمة معناها الجوهري، حتى صارت «أشبه بإتيكيت اجتماعي» لا أكثر، تليق بآداب المعاملة والمجالس، ولا صلة لها بأعمق أعماق الإيمان.
لقد أصبح التواضع عند الكثيرين “أسلوب لياقة سياسية”، لا رؤية للوجود.
وأصبح فعلاً اجتماعيًا يُمارَس حين تقتضي الكياسة، لا حالة داخلية من الإقرار والتسليم.
فحين نمدح شخصًا بقولنا عنه “متواضع”، نقصد أنه بسيط في ملبسه ومسكنه ومركبه أو يجالس الناس في سعة.
لكننا نغفل أن التواضع الحقيقي ليس ما نفعله للناس وأمامهم، بل ما نفعله مع أنفسنا أمام الله: إدراك عجزنا الكامل أمام قدرته، وعزو الفضل كله إليه، سبحانه وتعالى، حتى نصبح صفر اليدين من أي فضل.
________________________________________

✍ أولًا: التواضع بين الصرف والمعنى
تجيء كلمة تواضع على وزن تفاعل، وهو وزن في العربية يعبّر عن التكلف أو التمثيل، مثل: تباكى، تظاهر، تغافل، تجاهل.
فالمعنى الصرفي يحمل في طيّاته إشارةً إلى فعلٍ فيه حركة من ذاتٍ متعالية نحو الآخر “العامِّي”، أو من الأعلى إلى الأدنى.
لكن هذا الوزن ذاته هو ما جعل الكلمة تُحاط بشبهة “التمثيل”. ففيها نَفَس من الاصطناع، كأن المتواضع “يمارس” التواضع ولا “يكونه”. فهو يتعمد إخفاء كبريائه بلُطف، لكنه في قرارة نفسه لا يزال يرى مكانه فوق هامِّ الآخرين.
وهذا هو السر في أنّ كلمة “تواضع”، رغم أهميتها الحاسمة، لم تَرِد في القرآن الكريم قط، وما كان ينبغي لها أن ترد.
فالله خالقنا، الخبير بنا، لا يدعونا إلى “التمثيل” أو “التظاهر” أو “التنازل”، لأنه يعلم أننا — من الأصل — لا نملك شيئًا لننزل منه، ولا يدعونا إلى “أن نتواضع”، بل إلى ما هو أحق وأصدق: الإقرار، والاعتراف، والتسليم…الإسلام.
________________________________________

🌾 ثانيًا: غياب اللفظ وحضور المعنى في القرآن
، لم يقل القرآن “تواضعوا”، بل قال “اسجدوا”، “واخفض جناحك للمؤمنين”، و”أسلم وجهك لله”، ودعا إلى الإخبات والقنوت والإسلام لرب العالمين.
وتعبّر كل هذه الألفاظ عن حركة الوعي من الادّعاء إلى الإقرار، من التملك إلى التسليم، من الكبرياء إلى الإسلام.
ولذلك بدأ استخدام كلمة “تواضع”، التي لم ترد مطلقاً في القرآن، بوصفها محاولة بشرية لاحقة لترجمة جوهر “الإسلام”.
ولما ابتعدنا أكثر وأكثر عن المعنى الحقيقي للإسلام، أصبحنا أشدّ حاجة إلى هذه الكلمة “ذات الطابع التقني أو الوظيفي” لنذكّر بها أنفسنا بما نسيناه، ولنعيد بها شرحَ معنىً أفسدناه.
فالإسلام ليس طقوسًا فحسب، بل تحوّلٌ معرفي في مركز الوعي الإنساني:
أن تدرك أنك لست فاعلًا مستقلًا في هذا الوجود، بل “نائبٌ عن الفاعل”؛ لست مالكًا بل مؤتمن؛ لست الأعلى بل المسخَّر.
ومن هنا فالتواضع، في جوهره، اسم أخلاقي للإسلام؛ إنه صورة الإسلام في التعامل البشري.
________________________________________

💭 ثالثًا: التواضع بوصفه إدراكاً أكثر منه سلوكاً
ليس التواضع أن ترى نفسك عظيمًا فتتنازل (أو كبيراً فتتصاغر، أو طويلاً فتتقاصر)، بل أن تدرك يقينًا أنك لست عظيمًا أصلاً.
كل علوٍّ حققته في علمٍ أو جاهٍ أو نسبٍ أو مالٍ لم يكن بقدرتك، بل بفضلٍ أذن الله به لك.
ولو شاء لانتزعه منك في لحظة، فتعود كما بدأت: لا شيء.
إن التواضع الحق ليس تمرينًا على تهذيب النفس، بل يقظة من وَهَمِ التفوق.
هو لحظة صدقٍ يرى فيها الإنسان هشاشته الوجودية، فيسكن قلبه بعد قلق، ويبدأ يقطف أولى ثمرات السلام الداخلي.
ومن هنا، فالمتكبر لا يعاني من تضخمٍ مرضي في الذات فحسب، بل من وهمٍ معرفي، حين يتوهم أن له «قدرًا من ذاته»، وأن ما عنده من فضل هو ملكه.
أما المتواضع، فهو الذي أفاق من ذلك الوهم، فعاد إلى أصله الأول: ترابٌ نفخ الله فيه من روحه.
________________________________________

🌍رابعًا: التواضع كوعي اجتماعي
عندما يتحقق هذا الفهم، تتبدّل بنية العلاقات الإنسانية.
فمن رأى أن ما عنده هبة من الله، لا فضل له فيه، يستحيل أن يحتقر أحدًا.
ومن سلّم بضعفه أمام خالقه، لا يمكن أن يستعبد ضعيفاً أو يقتله أو يعذبه أو يسلبه حقه.
وحين يسكن التواضع القلب، تنطفئ جذوة الحسد والتباغض، وتشتعل نار المحبة لتضيء الكون كله.
بهذا المعنى، لا يكون التواضع مجرد خلق اجتماعي يُدرَّس، بل نظام وعيٍ كامل يبني عليه المجتمع رؤيته للإنسان والإنسانية.
المجتمع المتواضع هو مجتمعٌ مسالم بالضرورة، لأن كل فردٍ فيه يعرف قدره أمام الله، فلا يرضى بأدني ضرر لغيره.

🕊خامسًا: الإسلام… الاسم الإلهي للتواضع

كانت الأخلاق كلها موجودة في الجاهلية، إلا خلقاً واحداً جاء به الإسلام، فتمت به مكارم الأخلاق، فانهدمت الجاهلية: ذلكم هو خلق التواضع.
ولا يزال الشيطان يسعى، منذ ذلك الحين، إلى إعادتنا إلى الجاهلية، التي ليست شيئاً سوى التكبر، بإبعادنا عن التواضع بشتى الوسائل.
الإسلام هو لحظة التواضع الكبرى: لحظة انكسار الأنا أمام عظمة الواحد.
وما الشهادة إلا إعلان عن هذا التواضع الوجودي:
لا إله إلا الله — أي لا عظمة إلا له.
لهذا فالتواضع ليس خُلقًا مضافًا إلى الدين، بل هو جوهر الدين نفسه.
ومن لم يتواضع لله لم يُسلم حقًّا، ومن لم يُسلم لم يعرف التواضع.
فالإسلام هو تواضع الإنسان في علاقته بالله،
والتواضع هو الإسلام في علاقة الإنسان بالناس.
________________________________________

🌼 خاتمة

إننا نحتاج اليوم إلى إعادة مصطلح التواضع إلى أصله، وتثبيت معناه في موضعه.
وحين ندعو إلى التواضع، لا ندعو إلى “التنازل”، بل إلى الإفاقة من وهم العلوّ لنرى أنفسنا كما نحن: بشرًا ضعفاء مكرّمين بفضل الله علينا لا بميزات متأصلة فينا.
وليس التواضع فعلاً نتظاهر به بين الناس، بل إعلان إيماني صامت يقول:
“يا رب، إني لستُ بشيء، وليس بي منّي شيء، بل منك كل شيء.”
بالتواضع، ندرك أن الكبرياء والعظمة لله وحده. وسوف نتوقف عن إسباغ صفات العظمة والإطراء على غيره.
وبذلك تستقيم الأمور جميعها وتتسق الحياة:
فلا يتكبر الإنسان على أخيه الإنسان لأننا جميعاً عبيدٌ لله؛
ولا يرضي الضعيف بالذل للقوي، لأن القوي هو الله؛
ولا ينسب أحدٌ الفضل لنفسه لأن الفضل كله لله.
وحينئذٍ، نتعرف من جديد على الطغاة وأهل الاستكبار بحجمهم الحقيقي: أشقياء نازعوا مولاهم فسيذلهم ويجعلهم كأمثال الذر.
ونتعرف من جديد على المستضعفين بوزنهم الحقيقي: كرام كرّمهم مولاهم وأكرم كل من أكرمهم!

بإدراكنا ذلك، نكون قد بدأنا أوّل خطوة نحو بلوغ الإسلام الحقيقي؛
ليس الإسلام الذي يجعلنا نحس أننا فوق الناس،
بل الإسلام الذي يجعلنا نوقن أننا من الناس،
ومع الناس،
وبهم،
ولهم.
والكل لله رب العالمين.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..