مقالات وآراء

من يحكم بلا تفويض… هل يملك حق الحديث عن معارضة؟

📝 أواب عزام البوشي

حين يتحدث الجنرال كما لو أن الدولة قد آلت إليه قَدَراً لا اختياراً، يغيب السؤال الجوهري: من أين جاءت هذه السلطة، وعلى أي سند تقوم؟ فالحكم في النظم الحديثة لا يُستمد من موقع عسكري ولا من ظرف استثنائي، بل من تفويضٍ شعبيٍ واضح، أو من مرجعيةٍ دستوريةٍ لا لبس فيها. وما عدا ذلك يظل مجرد سلطة أمر واقع، مهما طال أمدها أو اشتد بطشها.

الفريق عبد الفتاح البرهان لم يأتِ عبر صندوق اقتراع، ولم يتكئ على دستورٍ دائم أقرّه الشعب، بل استند إلى ميزان القوة في لحظة اضطراب.

وميزان القوة، بطبيعته، لا يُنشئ شرعيةً سياسية، بل يُنتج سيطرةً مؤقتة تظل قابلةً للطعن والسؤال. الشرعية لا تُولد من فوهة البندقية، ولا تُصان بإعلان حالة الطوارئ، بل تُبنى على عقدٍ اجتماعيٍ يعترف به المحكومون قبل الحاكم.

ومن هنا يبرز التناقض في الحديث عن “معارضة في الخارج”. فالمعارضة، في المفهوم السياسي، هي ظِلٌّ ملازم لحكمٍ قائم على قواعد معترف بها. أما حين تكون السلطة نفسها موضع نزاع حول مشروعيتها، فإن توصيف المختلفين معها بـ“المعارضة” يفترض مسبقاً ما لم يثبت: افتراض وجود حكمٍ شرعيٍ مستقر. إن الاختلاف مع سلطة الأمر الواقع ليس خروجاً على الشرعية، بل هو في كثير من الأحيان مطالبةٌ بها.

ثم إن الواقع الإنساني والسياسي لا يمكن فصله عن هذا الجدل. بلدٌ يعيش حرباً، ونصف شعبه بين نازحٍ ولاجئ، واقتصاده منهك، ومؤسساته مفككة—كل ذلك لا يعزز فكرة الاستقرار الذي يبرر خطاب “الحاكم” و“المعارضة”، بل يكرس سؤال المسؤولية: من اتخذ القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذا المنعطف؟ وهل كانت الحرب قدراً محتوماً، أم نتيجة حسابات سياسية خاطئة كان يمكن تجنبها؟
أما الحديث عن “الشباب” بوصفهم رافعة التغيير، فيحمل بدوره مفارقة مؤلمة. فالشباب الذين خرجوا مطالبين بدولة مدنية عادلة هم أنفسهم الذين دفعوا أثماناً باهظة في محطات مفصلية من تاريخ البلاد الحديث، من فضّ اعتصام القيادة العامة إلى موجات العنف اللاحقة. لا يمكن استدعاءهم خطابياً كشهود على شرعيةٍ ما، بينما ذاكرتهم الجمعية مثقلةٌ بالدماء والخذلان.

السلطة التي لا تستند إلى تفويضٍ واضح، ولا تُخضع نفسها لمساءلةٍ حقيقية، تظل في منطقة رمادية بين السيطرة والحكم. وقد يطول أمد السيطرة، لكن الحكم بمعناه السياسي والأخلاق ييحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير. يحتاج إلى رضا الناس، وإلى مؤسساتٍ تحكمها القواعد لا الأشخاص، وإلى اعترافٍ داخلي وخارجي لا يُنتزع بالقوة بل يُكتسب بالثقة.

وفي لحظات التاريخ الفارقة، لا يكون السؤال: من يملك السلاح؟ بل: من يملك الحق؟ وبين الحق والقوة مسافةٌ لا تردمها الشعارات، بل يردمها فقط عقدٌ سياسيٌ جديد يضع السيادة حيث ينبغي أن تكون عند الشعب، لا عند من يظن أن الظروف دانت له.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..