حال الغريب المغترب

إبراهيم بخيت
اسمحوا لى وهذا رائي من قديم الزمان. انا لا اهضم ابدا مسألة البعد عن الوطن والاغتراب القصير او القنجرة الطويلة السرمدية. انا جربت الاغتراب لفترة قصيرة من الزمن حيث عملت كصحفي وكاتب عمود يومى ومترجم في مؤسسة الخليج للطباعة و النشر وفي جريدتى الراية والغلف تايمزالانجليزية فى دولة قطر. يشهد الله رغم ما كنت عليه من بلهنية الرزق والعيش، الا أننى كنت اتحرق شوقا ولهفة لسماع صوت ديك يؤذن الفجراو صوت حمار يهنق عشقا اومشاجرة. ان قلبى يرتجف كلما مرت على مخيلتى صورة من صور ارض الوطن او احد حوارى مدنه. ولم استطع الصبر على ذلك وقدمت استقالتى وحزمت حقائبى عائدا للوطن رغم ما قدم لى من محفزات ومشهيات البقاء. والان اتوقف مندهشا للذين اختاروا القنجرة الابدية عن اوطانهم.
ولو جاد الزمن وجعل لى سلطة لأرجعت كل مغترب او مقنجرلوطنه وعملت على حل كل اسباب بعده عن مرتع صباه. ووفرت له ما يعوض فقده عن سنوات البعد والابتعاد. وليس ذلك على الله ببعيد. ولكنى سوف اسأل هذا المفارق لوطنه عن كيف استطاع احتمال هذا البعد الابدى مهما كانت العلة اوالمصيبة؟ وكيف يرضى ان يرى نسله وذريته تعيش بلا هوية؟ يطوفون فى شوارع البلاد الغريبة ومتاجرها بلا هوية ولا رعاية وهم كذلك ليسو رعية لهم حق المواطنة في الخدمة الحكومية والعمل المجزي ويعيشون في غياهب الإحساس بالدونية مهددون دوما بالإبعاد.
وعن الغربة والاغتراب أقول لكم حسب علمى فهى متعددة فمن حيث معناها المكانى فهى الانتقال للعيش في بلد آخر لغرض العمل أوالدراسة اومختطف مكره اومبعد قسرا اومسترق مستعبد من قبل دولة أخرى كمثل أولئك الذين استرقهم الغزو التركى المصرى تحت الرعاية البريطانية، حيث يشعر الفرد بالابتعاد عن بيئته الأم. اما الاغتراب الوجدانى فهو شعور الانسان بالوحدة حتى وسط عشيرته واسرته بانه غريب في بلده نتيجة التهميش الذى يجده من النظام الحاكم من حيث غياب العدالة او الإحساس الممض بتسارع تغير القيم الاجتماعية اوعدم القدرة على فهم الاحداث الدائرة من حوله بسبب تضاربها وتناقضها وتعارضها لما يؤمن اويحس او يريد او يرى اوكلها معا.
الا ان اسوأها عندى هي الاغتراب الذاتي بأن يصبح الفرد غريباً عن نفسه، يقوم بأعمال لا ترضيه أولا تعبرعن حقيقته لمجرد إرضاء الآخرين أو للتملق لكسب العيش.
وهذا ما اراه متجسدا عند العديد من الصحفيين الكتبة السودانيين، الذين اغلقوا الأبواب والمنافذ عن الوطن وفتحوها مشرعة على ذواتهم وثقلها يتحسسونها بأصابعهم داخل المظاريف الورقية المغلقة التي تستعبدهم برضاهم او مرغمين، وما اكثرهم الذين تسربوا كالجراثيم والطفيليات طيلة سنوات الإنقاذ الدامية المدلهمة بالخطوب والمحن والكوارث بين الصحف وأجهزة الاعلام ووسائل التواصل كلها وما زال بعضهم يعوون، وهم اكثر من جوائح الوباء على جسد الوطن، أمثال العبيد مروح وعادل الباز والهندي عز الدين ومصطفي أبو العزائم وأبشر الماحي وخالد التيجاني ومني وهدية علي وأسامة علي ومحيي الدين تيتاوي والفاتح السيد وحسن فضل المولي وعبد العظيم عوض وكمال حسن بخيت وضياء الدين بلال ومحمد أحمد دنقل وجمال شريف ومحاسن الحسين وجمال علي حسن وأحمد عبد الوهاب والشاذلي المادح والكرنكي وحسين خوجلي وود إبراهيم وهاشم الجاز وشمو وغازي صلاح الدين وزادوا هذه الأيام كيل قافلة وليس بعير من النساء والقونات والمحللين الاستراتيجيين الذين تستضيفهم القنوات الفضائية السياسية المتحيزة.
وبعضهم قد رحل عن دنيانا بلا بواكى وبالطبع ليس هؤلاء كل الصحفيين الكتبة من كانوا تحت تصرف المؤتمر الوطني بل لهم امتدادات من الكتبة الجوالين من الجنسيات الأخرى الاغراب والمغتربين بلا عقيدة ولا دين من الاعراب والعجم.



