استهداف صمود، وغسل خطايا الماضي بدم الوطن

✍ السماني شكرالله
ليس استهداف “تجمع صمود” اليوم صدفةً عابرة في زحام حربٍ عمياء، ولا هو مجرد اختلافٍ في التقدير السياسي. إنه فعلٌ مقصود، محسوب، تقف وراءه إرادة تريد أن تُسكت كل صوتٍ يذكّر الناس بحقيقة ما جرى، وبمن أوصل البلاد إلى هذا المنحدر السحيق.
منذ اندلاع الحرب، انصرفت الآلة الإعلامية التابعة للسلطة وحلفائها من تيارات الحركة الإسلامية إلى مهمةٍ واحدة: شيطنة “صمود” وتجريم قادتها. لا لأنهم يقاتلون، ولا لأنهم يملكون ميليشيا، بل لأنهم يرفعون راية “لا للحرب” ويتمسكون بفكرة الدولة المدنية. في مناخٍ يضجّ بالسلاح، تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة، ويغدو الموقف الأخلاقي تهديداً لمشروعٍ يريد إعادة إنتاج نفسه تحت دخان المعارك.
الحقيقة التي يُراد طمسها أن هذه الحرب قدّمت للحركة الإسلامية فرصةً تاريخية للهروب من أوزار الماضي. فبعد عقودٍ من الحكم الذي أثقل كاهل البلاد بالفساد والتمكين والقمع، وجدت في الفوضى الحالية ستاراً كثيفاً يمكن أن تُخفى خلفه مسؤولياتها. وبدلاً من أن تواجه الشعب بحصيلة ثلاثين عاماً من السيطرة على مفاصل الدولة، اختارت أن ترتدي ثوب “المنقذ” الذي يقود المعركة ضد “الميليشيات”.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن هنا تحديداً: كثيرٌ من هذه الميليشيات لم تولد في فراغ. لقد صُنعت في سياق سياسات التمكين، ودُرّبت وسُلّحت ومُنحت الشرعية حين كانت تخدم بقاء السلطة. واليوم، بعد أن انفلتت من عقالها أو اصطدمت بمراكز القوة، يُراد للشعب أن ينسى من هندس بنيتها الأولى، وأن يصدق أن من أطلقها بالأمس هو وحده القادر على إخمادها اليوم.
في هذا السياق، يصبح “صمود” عقبةً رمزية أمام عملية “الغسل السياسي”. فوجود منصة مدنية تذكّر بمطالب الثورة، وتطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها، يعني أن الذاكرة لم تُمحَ بعد، وأن صفحة الماضي لا يمكن تمزيقها ببساطة. لذلك يُستهدف التجمع لا لأنه خطرٌ عسكري، بل لأنه شاهدٌ سياسي وأخلاقي.
تُتهم “صمود” بالعمالة تارة، وبالارتهان للخارج تارةً أخرى، دون أن يُقدَّم دليلٌ واحد يصمد أمام قضاءٍ مستقل. والغاية ليست الإدانة القانونية، بل التشويه المعنوي: كسر الثقة بينها وبين الشارع، وعزلها عن أي تعاطف داخلي أو دعم خارجي. إنها معركة وعي، يُراد فيها إقناع الناس بأن الخيار الوحيد المتاح هو الاصطفاف خلف الحرب، وأن كل دعوةٍ لوقفها خيانة.
لكن ما يُغفل عنه مهندسو هذه الحملة أن الشعوب، مهما أُرهقت، لا تنسى بسهولة. قد تُخدع لحظةً تحت ضغط الخوف، لكن الذاكرة الجمعية تحتفظ بسجلّها الخاص. وسؤال المسؤولية سيعود، عاجلاً أو آجلاً: من سلّح؟ من مكّن؟ من أدار الدولة بمنطق الولاء لا الكفاءة؟ ومن أوصلنا إلى لحظةٍ صار فيها الوطن ساحة تصفية حسابات مسلحة؟
إن استهداف “صمود” ليس سوى فصلٍ في محاولة أوسع لإعادة كتابة التاريخ بينما المدافع لا تزال تدوي. لكن التاريخ لا يُكتب ببيانات التخوين، بل بالحقائق. والحقائق تقول إن من يريد غسل جسده من أدران الماضي لا يفعل ذلك بدم الحاضر، ولا بتحويل دعاة السلام إلى أعداء.
سيبقى السؤال قائماً، مهما ارتفع الضجيج: هل الحرب طريقٌ للخلاص، أم وسيلةٌ لتأجيل الحساب؟ وفي كل الأحوال، ستظل الكلمة التي تقول “لا” للحرب شوكةً في حلق من يريدون لها أن تكون ستاراً للنسيان.



