مقالات وآراء

خطاب مسعد بولس في مجلس الأمن “مانيفستو” ديسمبر في مواجهة دولة الكيزان

علاء خيراوي

لم يكن ما جرى في مجلس الأمن في التاسع عشر من فبراير ٢٠٢٦ مجرد جلسة أخرى تُضاف إلى أرشيف الإدانات الدولية التي اعتاد السودانيون سماعها دون أن يتغير شيء في واقعهم، بل كان لحظة انكشاف كبرى أعادت تعريف طبيعة الصراع نفسه، لا بوصفه حرباً بين قوتين مسلحتين، بل بوصفه أزمة شرعية في أصلها، وانهياراً كاملاً لفكرة الدولة حين تختطفها البندقية وتُختزل في إرادة الجنرال. ففي تلك القاعة التي تُقاس فيها الدول لا بعدد جنودها بل بمقدار مشروعيتها، سقط الوهم الذي ظلت سلطة بورتسودان، ومن خلفها بقايا الحركة الإسلامية، تتكئ عليه؛ وهم أن السيطرة على الأرض يمكن أن تتحول إلى اعتراف، وأن الحرب يمكن أن تصبح جسراً نحو الشرعية، وأن عسكرة الحياة يمكن أن تُفرض على شعب كسر حاجز الخوف ذات ديسمبر، ثم اكتشف، للمرة الأولى، أن الدولة ليست ثكنة، وأن الوطن ليس غنيمة، وأن السيادة لا تُقاس بعدد البنادق، بل بمقدار ما تعكسه السلطة من إرادة الناس.

لقد جاء خطاب السيد مسعد بولس، ممثلا للرباعية، ليضع خطوطاً فاصلة بين زمنين؛ زمن كانت فيه القوة العسكرية تُنتج الواقع السياسي، وزمن جديد أصبحت فيه الشرعية تُقاس بمدى الالتزام بفكرة الانتقال المدني، وبقدرة السلطة على أن تكون تعبيراً عن المجتمع لا سجّانه. لم يكن مجرد دعوة لوقف إطلاق النار، بل كان إعلاناً دولياً بأن الحرب، مهما طالت، لن تنتج دولة معترفاً بها، وأن العالم لم يعد يرى في البنادق أساساً للحكم، بل يرى فيها، حين تنفصل عن الإرادة الشعبية، مجرد أدوات لتعليق المستقبل وتأجيل حتمية التغيير. وهنا تكمن المفارقة التي لا أظن ان سلطة بورتسودان ستستوعب ابعادها؛ أنها تخوض حرباً في واقع لم يعد يُعترف بنتائجها. تقاتل من أجل سلطة لم يعد ممكناً تثبيتها بالقوة، وتحاول إعادة إنتاج نظام لفظه الشعب، وبدأ العالم نفسه
يسحب منه الغطاء الأخلاقي والسياسي.

لم يكن الخطاب مجرد توصيف للأزمة، بل كان بداية إعادة تعريف من يملك الحق في حكم السودان، وبأي شروط، ولأي غاية. كان، في جوهره، إعلاناً متحدّياً بأن الدولة السودانية لن تعود إلى ما كانت عليه قبل ديسمبر، وأن كل محاولة لإعادة عقارب التاريخ إلى الوراء ليست سوى تأجيل مؤقت للحظة الحتمية التي يصبح فيها الوطن ملكاً لشعبه، لا لجنرالاته، ولا لأيديولوجيا احترقت في نار فشلها.

في تلك القاعة التي كثيراً ما سبقت فيها الإدانة الدولية لحظة السقوط الفعلي للأنظمة، طُرحت الحقيقة التي حاولت سلطة بورتسودان، ومن خلفها الامتداد السياسي للحركة الإسلامية، أن تؤجل الاعتراف بها عبر إطالة أمد الحرب؛ أن الحكم الذي يقوم على القوة وحدها لم يعد قابلاً للتحول إلى شرعية، وأن الدولة التي تُختطف لصالح البندقية تفقد مبرر وجودها، وأن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً لمنح الاعتراف لسلطة لا تستند إلى تفويض شعبي، بل إلى واقع مفروض بالقوة. فلقد كان الخطاب، في جوهره، إعلاناً دولياً بنهاية العصر الذي كانت فيه البندقية تصنع الدولة، وبداية العصر الذي تصبح فيه إرادة الشعوب هي المصدر الوحيد المقبول للشرعية. وهذه ليست مجرد لغة دبلوماسية منمقة، بل تحول عميق في البنية السياسية التي حكمت علاقة العالم بالدولة السودانية.

إن ما يجب أن تفهمه سلطة بورتسودان، وما يجب أن تدركه الحركة الإسلامية التي عادت تختبئ خلف المتاريس، هو أن الزمن الذي كان يمكن فيه اختطاف الدولة عبر الانقلاب، ثم انتزاع الاعتراف عبر فرض الأمر الواقع، قد انتهى إلى غير رجعة. لقد انتهى لأن الشعب السوداني نفسه قد تغيّر. وثورة ديسمبر لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل كانت لحظة تحرر وجودي كسرت العلاقة النفسية القديمة بين المواطن والدولة العسكرية.
لقد ظلت الحركة الإسلامية، منذ انقلابها في عام ١٩٨٩، تؤسس لما يمكن تسميته “بأنطولوجيا الخوف” أي تحويل الخوف إلى أساس للوجود السياسي ذاته. لم تكن تحكم فقط عبر الأجهزة الأمنية، بل عبر إعادة تشكيل وعي المجتمع بحيث يبدو الحكم العسكري قدراً، وتبدو الدولة وكأنها لا تستطيع أن توجد إلا في ظل العسكر.
لكن ديسمبر، في جوهرها، كانت ثورة ضد هذا الوهم الوجودي.

لقد أعادت تعريف الدولة لا باعتبارها جهاز قمع، بل باعتبارها عقداً أخلاقياً بين المواطنين. وأعادت تعريف المواطن لا باعتباره تابعاً، بل باعتباره المصدر الوحيد للسيادة. ولهذا، فإن الحرب الحالية ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي محاولة يائسة من بقايا النظام القديم لإعادة عقارب التاريخ إلى ما قبل ديسمبر، وإعادة إنتاج الدولة العسكرية تحت مسميات جديدة. إن سلطة بورتسودان، في حقيقتها، ليست سوى المرحلة الأخيرة من هذا المشروع المنهار. إنها محاولة لإعادة إنتاج دولة ١٩٨٩ بأدوات ٢٠٢٦، متجاهلة أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا كمهزلة.
لقد راهنت هذه السلطة، ومن خلفها الحركة الإسلامية، على أن الحرب يمكن أن تصبح أداة لإعادة الشرعية. راهنت على أن العالم سينسى، وأن الشعوب تتعب، وأن الزمن يمكن أن يُستخدم كسلاح لإعادة تدوير الاستبداد. لكن خطاب السيد بولس جاء ليعلن نهاية هذا الرهان.

فالعالم لم يعد يعترف بالقوة كمصدر للشرعية. ولم يعد يرى في السيطرة العسكرية أساساً للحكم. بل أصبح واضحاً أن الشرعية الوحيدة الممكنة هي تلك التي تنبع من إرادة المدنيين، ومن مشروع سياسي يعبر عن تطلعات الشعب، لا عن مصالح النخب المسلحة. إن أخطر ما فعلته الحركة الإسلامية لم يكن فقط تدمير الدولة، بل تدمير فكرة الدولة ذاتها. لقد حولتها من كيان يخدم المجتمع إلى جهاز يخدم السلطة. ومن مؤسسة عامة إلى غنيمة خاصة. ومن إطار للعدالة إلى أداة للإخضاع. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إسقاط سلطة، بل معركة استعادة معنى الدولة نفسه.

إن مانيفستو ديسمبر لم يكن وثيقة مكتوبة، بل كان تجربة وجودية عاشها ملايين السودانيين حين خرجوا إلى الشوارع بلا خوف، وحين اكتشفوا، للمرة الأولى، أن الدولة ليست قدراً مفروضاً عليهم، بل مشروع يمكنهم إعادة تشكيله.
وهذا هو ما تخشاه سلطة بورتسودان أكثر من أي شيء آخر. إنها لا تخاف الهزيمة العسكرية بقدر ما تخاف انتصار الفكرة. لأن الهزيمة العسكرية يمكن تأجيلها، لكن انتصار الفكرة لا يمكن إيقافه. فالسودان الذي ولد في ديسمبر لم يعد قابلاً للحكم عبر الدبابة. ليس لأن الدبابة ضعفت، بل لأن معناها نفسه انهار. لقد أصبحت، في وعي الشعب، مجرد قطعة معدنية، لا رمزاً للسيادة. لتتأصل الفكرة الاعلى، وهي ان المستقبل لا يُبنى بالبندقية، بل بالإرادة. ولا يُفرض بالقوة، بل يُصنع بالشرعية. ولا يُنتزع بالخوف، بل يُؤسس بالحرية. ولهذا، فإن المعركة اليوم ليست بين جيش ودعم سريع، ولا بين سلطة ومعارضة، بل بين زمنين؛ زمن الدولة العسكرية الذي يحتضر، وزمن الدولة المدنية الذي يولد.
وقد قال التاريخ كلمته بالفعل. ولم يعد السؤال إن كانت الدولة المدنية ستولد، بل متى.

هذه هي اللحظة التي لا تحتمل التردد، ولا تقبل الحسابات الصغيرة، ولا تغفر الصمت. لقد قال العالم التي تسوده امريكا في هذا العصر وبصوت ذات الدول الإقليمية التي تدعم الصراع، كلمته، لا بوصفها مجاملة دبلوماسية، بل بوصفها حكماً تاريخياً على نهاية صلاحية الدولة العسكرية في السودان. وهذه ليست فرصة أخرى تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة، بل هي الفرصة الأخيرة قبل أن يُغلق باب التاريخ مرة أخرى، ويُترك الشعب السوداني لمصير تصنعه البنادق وحدها. إن هذا المانيفستو ليس نصاً سياسياً، بل هو إعلان استعادة الحق الأصلي للشعب في امتلاك دولته. هو الصيغة الأخلاقية والسياسية التي تعيد وضع السودان على مسار ديسمبر، لا كذكرى، بل كقوة فاعلة في الحاضر.

ولهذا، فإن ثمة مسؤولية تقع، بلا مواربة، على عاتق تحالف صمود، وعلى كل القوى المدنية التي أعلنت، قولاً وموقفاً، رفضها للحرب وإيمانها بالدولة المدنية. إن دعم هذا المانيفستو يجب ألا يكون دعماً خافتاً، ولا بياناً بروتوكولياً عابراً، بل يجب أن يكون إعلاناً سياسياً مدوياً، واضحاً، صريحاً، يُقال على المنابر، ويُكتب في البيانات، ويُرفع في الفضاء الإعلامي، بوصفه التعبير الجماعي عن إرادة استعادة الدولة من قبضة العسكر. إن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصاً لا نهائية. هناك لحظات نادرة تتقاطع فيها إرادة الداخل مع لحظة الاعتراف الدولي، فتفتح نافذة ضيقة يمكن من خلالها إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. وهذه هي تلك اللحظة. فالذين خرجوا في ديسمبر لم يكونوا يطلبون إصلاح سلطة، بل كانوا يؤسسون لعالم جديد، عالم لا يُحكم فيه الإنسان بالبندقية، ولا تُختطف فيه الدولة باسم الأمن، ولا يُصادر فيه المستقبل باسم الضرورة. وهذا العالم لن يولد تلقائياً، بل يحتاج إلى فعل سياسي واعٍ، جريء، يُدرك أن الفرصة، إن ضاعت الآن، قد لا تعود لعقود. إذا فليكن هذا المانيفستو هو نقطة الالتقاء الكبرى. وليكن دعمه هو الإعلان النهائي بأن السودان لن يعود إلى الوراء. وليكن هذا الصوت المدني، هذه المرة، أعلى من صوت الرصاص.
فالأوطان لا تُسترد حين تسكت القوى التي تؤمن بها، بل حين تتكلم، بوضوح، وبشجاعة، وبلا خوف.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..