دراما الإفطار على أرصفة الألم: حين تتحول السياسة إلى مسرح

حسن عبد الرضي
في مشهدٍ مُعدّ بعناية للكاميرات، يظهر عبد الفتاح البرهان جالسًا يفطر مع مواطنين بسطاء في رمضان. صورة يٌراد لها أن تُسوَّق كتواضع وقرب من الناس، لكنها في نظر كثيرين ليست سوى دراما سياسية تُخفي وراءها واقعًا مُرًّا من الدم والجوع والانكسار.
كيف يمكن لمشهد إفطار عابر أن يغسل أيدي السلطة من مسؤولية حربٍ أحرقت المدن، وشرّدت الملايين، وجعلت لقمة العيش حلمًا يوميًا؟ أي معنى للجلوس مع المارة على الرصيف بينما ذات السلطة عاجزة — أو غير راغبة — في توفير أبسط حقوقهم: الأمان، الخبز، والراتب الذي ينتظرونه آخر الشهر ولا يأتي؟
رمضان عند الفقراء ليس موائد عامرة ولا موائد “رحمان” تُنظَّم للتصوير، بل هو صبرٌ على فقر الإفطار قبل فقر السحور. حين يجلس الحاكم مع من لا يجدون ما يفطرون به، وخاصة إن كان بينهم معلمون لم يتقاضوا رواتبهم لشهور، فالمشهد لا يبدو تواضعًا بقدر ما يبدو مفارقةً جارحة. أي رمزية في مشاركة إفطار بسيط، بينما السياسات القائمة هي التي أوصلت هؤلاء إلى هذا الحال؟
الحرب التي تُدار باسم “الشرعية” أو “حماية الدولة” تحوّلت إلى سبب مباشر في تجويع الشعب وانهيار مؤسسات التعليم والصحة والخدمات. وحين تُربط السلطة بتحالفات قديمة وجديدة تُعيد إنتاج ذات المنظومة التي ثار عليها الناس، تصبح المعركة معركة كراسي لا معركة وطن. الشعب لا يرى في هذا كله سوى استمرار حلقة مفرغة: حرب من أجل السلطة، وسلطة لا تحمي شعبها.
التاريخ لا يكتبه مشهد عاطفي أمام الكاميرا، بل تكتبه أفعال تُنقذ الناس من الحرب لا تُطيلها، وتُطعم الجائعين عبر سياسات عادلة لا عبر لقطات علاقات عامة. الإفطار مع البسطاء لا يمحو مسؤولية من أشعل النار أو أبقاها مشتعلة. والدم لا يُغسَل بالصور، بل بإيقاف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة بناء دولة تحترم حياة مواطنيها.
في النهاية، الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى. والعدالة — إن تأخرت في الدنيا — تبقى وعدًا لا يسقط من ذاكرة المظلومين.



