مقالات وآراء

عندما يصبح التعدد الحزبي مصدر ثراء وقوة للوطن

مختار العوض موسى

بعد معاناة امتدت ثلاث سنوات من الحرب، بدا وجع السودان جلياً في التدمير الذي طال مختلف جوانب الحياة. وجد الوطن نفسه في حالة لهاث مستمر، تحتم عليه مضاعفة الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولعل ضربة البداية تتمثل في إرساء وحدة سياسية جامعة يتفق عليها الجميع، دون أن تعني ذوبان الأحزاب أو إلغاءها. فليكن لكل حزب أنصاره ومريدوه، على ألا يطغى حب الحزب على عشق الوطن، وليكن البناء والاستقرار والنهضة هي القاسم المشترك بين الجميع.

مشروع الوحدة السياسية لا يعني محو التعدد، بل إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب والوطن. فالأحزاب أدوات لخدمة الدولة والمجتمع وتحقيق الصالح العام، وليست غايات قائمة بذاتها. إن أي وحدة سياسية بين هذه القوى ينبغي أن تُفهم باعتبارها رؤية استراتيجية لإعادة بناء السودان، ليعود فاعلاً ومؤثراً عربياً وإقليمياً ودولياً بعد حرب قاسية قضت على الأخضر واليابس. ويمكن لهذه التجربة المريرة أن تشكل فرصة لإعادة صياغة الوعي الجمعي بأهمية الوطن وترتيب الأولويات الوطنية.

المشكلة ليست في وجود التعدد الحزبي، بل في طريقة إدارته. فالتسييس المفرط للهويات الاجتماعية والثقافية يحول التنوع إلى أداة انقسام، ويجعل الدولة رهينة للتجاذبات. أما الوحدة الاندماجية الحقيقية فلا تلغي الاختلاف، بل تُخضعه لإطار وطني جامع، يكون فيه الحزب وسيلة لإدارة الدولة، لا بديلاً عن الوطن. وإلا تحولت السياسة إلى تنازع مكشوف حول “امتلاك الدولة” بدلاً من التنافس على “خدمتها”.

إن إعادة ترتيب سلم الأولويات تصبح ضرورة: الوطن أولاً، والدولة إطاراً محايداً، والحزب فاعلاً سياسياً داخل هذا الإطار. وهذا التحول لا ينبغي أن يكون قانونياً فحسب، بل ثقافياً وأخلاقياً أيضاً. وتستند الوحدة السياسية المنشودة إلى ثوابت صلبة، منها وحدة البلاد وسلامة أراضيها، واحتكار الدولة للسلاح، واستقلال القضاء، ومدنية مؤسسات الدولة، وصون الحقوق الأساسية للمواطن بعيداً عن أي مساومات سياسية.
كما يمثل الدستور التوافقي مرجعية عليا، ليس بوصفه وثيقة قانونية جامدة، بل عقداً اجتماعياً يحدد طبيعة الدولة وحدود السلطة وآليات تداول الحكم وشكل العلاقة بين المركز والأقاليم. فحياد الدولة هو الضامن الحقيقي للتعدد، والخلاف السياسي ظاهرة صحية؛ والخطر لا يكمن في وجوده، بل في تحوله إلى نزاع وجودي.

تحديات الوحدة السياسية

تواجه الوحدة السياسية عقبات عميقة، أبرزها أزمة الثقة التي خلفتها الحرب بما أورثته من شكوك وهواجس وتخوين. كما أن تسييس الهوية يجعل المكونات الاجتماعية أدوات للصراع السياسي، ويهدد بتفكيك الدولة. ويضاف إلى ذلك نفوذ شبكات المصالح التي تقتات على الفوضى، وثقافة الإقصاء التي تعرقل أي مشروع وطني جامع.

إن تحقيق وحدة سياسية راسخة يتطلب توافقاً حول أولويات كبرى: إعادة الإعمار، النهضة الاقتصادية، بناء البنية التحتية، إصلاح التعليم، التحول الرقمي، والاهتمام بالمشاريع الوطنية الكبرى التي توحد ما تعجز عنه الخطابات. ولا غنى كذلك عن عدالة انتقالية رشيدة تعالج الجراح وتضمن عدم تكرار المآسي، وعن ترسيخ هوية وطنية حديثة قائمة على المواطنة.

ولتعزيز استدامة هذه الوحدة، يصبح من الضروري إعادة بناء البنية السياسية عبر قوانين تنظم عمل الأحزاب، وتعزيز شفافية التمويل السياسي، وضمان تكافؤ الفرص. كما يتعين دعم بناء جيش وطني مهني، وتعزيز استقلال القضاء، وإبعاد الخدمة المدنية عن الاستقطاب الحزبي، وترسيخ إعلام حر ومسؤول، وخطاب سياسي رشيد يقلل من مركزية السلطة دون المساس بوحدة الدولة.

مسارات النهوض الوطني

لا يمكن للدولة أن تنهض إقليمياً وعالمياً دون تكامل أربعة مسارات رئيسية:
الاستقرار السياسي: القاعدة الصلبة لأي تحول اقتصادي أو تنموي.
التحول الاقتصادي: الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار في الموارد البشرية.
الاستثمار في الإنسان السوداني: عبر التعليم والصحة والكفاءة المؤسسية.
تحويل التنوع إلى قوة: من خلال إدارته بحكمة وعدالة.

كيفية بناء الوحدة السياسية

الوحدة السياسية الجامعة لا تُبنى بالشعارات، بل بعقد سياسي يستند إلى ركائز واضحة:
إعادة ترتيب سلم الولاءات ليصبح الوطن المرجعية العليا.
تحصين القضايا المصيرية من التجاذبات السياسية.
الانتقال من سؤال “من يحكم؟” إلى “كيف نحكم معاً؟”.

الوحدة ليست حدثاً عابراً، بل عملية طويلة. لا تتحقق بإلغاء الخلاف، بل بتنظيمه. فالدولة الناجحة ليست الخالية من الصراع، بل القادرة على إدارته دون أن يلتهمها. ووطن القمة لا يُبنى على إجماع كامل، بل على اتفاق صلب حول ما لا يجوز الاختلاف عليه.

الخريطة الفكرية للأحزاب

تضم الساحة السياسية السودانية تيارات متعددة، أبرزها:
التيار التقليدي التاريخي: ذو الجذور الاجتماعية العميقة، ويواجه تحديات التحديث المؤسسي والانقسامات الداخلية.
التيار الأيديولوجي: يتميز بالوضوح الفكري، لكنه يعاني من محدودية القاعدة الشعبية.
تيار الحركات المسلحة المتحولة سياسياً: يواجه إشكاليات الانتقال من منطق القوة إلى منطق السياسة.
التيار المدني الحديث: يحمل خطاباً إصلاحياً، لكنه يعاني من ضعف التنظيم والموارد.

ورغم التباينات، تتقاطع هذه التيارات في مساحات مشتركة مهمة: الحاجة لدولة مستقرة، مطالب العدالة والتنمية، وإنهاء الحرب.
السودان لا يعاني من كثرة الأحزاب، بل من غياب إطار وطني منظم للاختلاف بينها. والحل ليس في تقليل عددها، بل في ضبط العلاقة بينها والدولة والوطن. صحيح أن الاتفاق بين قوى متباينة ليس بالأمر السهل، خاصة في ظل ضعف المؤسسية الحزبية، وعدم توازن التمثيل السياسي، وغياب انتخابات حرة تعكس الأوزان الحقيقية.

خاتمة
الوحدة السياسية ليست قراراً، بل مسار طويل. لا تُبنى على الإجماع الكامل، بل على اتفاق صلب حول ما لا يجوز الاختلاف عليه. فالوطن الذي يبلغ القمة ليس وطناً بلا أحزاب، بل بأحزاب تدرك حدودها، وتعي أن الوطن أكبر من الجميع.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..