مقالات وآراء

مجلس الأمن: لا إفلات من العقاب

الصباح الجديد
أشرف عبدالعزيز

تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو أروقة مجلس الأمن الدولي في لحظة فارقة من عمر الصراع السوداني، حيث جسدت جلسة الأمس التي دعت إليها بريطانيا تحولاً جوهرياً ونوعياً في استراتيجية التعامل مع الأزمة التي تجاوزت حدود النزاع المحلي لتصبح تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

لقد جاءت هذه الخطوة بقيادة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بمثابة قرع عنيف لناقوس الخطر، حيث تبنت لندن من خلالها موقفاً حازماً يضع إحلال السلام في السودان كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل أو المناورة السياسية، إلا أن الموقف الأمريكي الذي صاغه مستشار الرئيس للشؤون الأفريقية مسعد بولس هو ما منح هذه الجلسة ثقلها التاريخي بتبني لغة اتسمت بصراحة غير مسبوقة وصرامة واضحة رسمت ملامح خريطة طريق دولية تقوم على مبدأين أساسيين هما استحالة منح الحصانة لمرتكبي الجرائم ورفض عودة المنظومات الشمولية التي تسببت في انهيار الدولة السودانية.

إن الإحاطة التي قدمها بولس أمام مجلس الأمن تمثل نقطة تحول مفصلية في الخطاب السياسي لواشنطن تجاه الملف السوداني، إذ لم تعد المطالب الدولية تقتصر على مجرد النداءات التقليدية لوقف العدائيات، بل غاصت بعمق في جذور الأزمة عبر التأكيد القاطع على ضرورة تقديم كافة المتورطين في الانتهاكات والفظائع إلى العدالة الدولية والوطنية دون أي تمييز أو اعتبار لمواقعهم السياسية أو رتبهم العسكرية.
وتأتي هذه الرسالة الأمريكية القوية لتقطع الطريق نهائياً أمام سياسات الإفلات من العقاب التي سادت لعقود، معتبرة إياها العائق الأساسي والجوهري أمام أي عملية سياسية جادة أو مسار انتقالي مستدام، وهو ما يعكس قناعة دولية متزايدة بأن الاستقرار في السودان لا يمكن أن يبنى على أنقاض المظالم، بل يجب أن يتأسس على مبدأ المساءلة كشرط وجوبي لترميم الثقة المفقودة في مؤسسات الدولة المستقبلية.
وفي ذات السياق الحازم، حملت التصريحات الأمريكية تحذيراً شديد اللهجة تجاه ما وصفه بولس بالدور المزعزع للاستقرار الذي تمارسه شبكات مرتبطة بالنظام السابق ، مشيرة بوضوح لا لبس فيه إلى محاولاتها العودة إلى واجهة المشهد عبر استغلال ظروف الحرب وإعادة التموضع الخفي داخل مؤسسات الدولة والبنية العسكرية.

إن هذا التوصيف الأمريكي الصريح لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى قلق دولي متنامٍ من أن تغلغل هذه المجموعات يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد القتال وتسهيل تدفق السلاح الخارجي وإعاقة كافة جهود الإصلاح الهيكلي، مما يجعل من التصدي لهذه الشبكات ضرورة أمنية دولية ملحة.

وقد كانت واشنطن حازمة في تأكيدها على أن أي محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم أو فرض أجندات أيديولوجية متطرفة لن تُقابل بالرفض السياسي فحسب، بل ستواجه بكل الأدوات الدولية المتاحة بما في ذلك العقوبات الاقتصادية والتدابير القانونية الزاجرة.

إن تزامن الموقفين البريطاني والأمريكي داخل مجلس الأمن يبعث برسالة موحدة وصارمة إلى كافة الأطراف السودانية والإقليمية مفادها أن المجتمع الدولي قد نفد صبره ولن يقف متفرجاً أمام تفتت الدولة السودانية أو وقوعها مجدداً في قبضة الأنظمة الشمولية المتطرفة. فدعم الانتقال المدني الشامل يظل هو الهدف الاستراتيجي الأسمى الذي تلتقي عنده مصالح القوى الكبرى، وهو ما يضع القوى العسكرية والسياسية المتصارعة اليوم أمام خيارات ضيقة ومصيرية، فإما الانخراط بجدية في تسوية سلمية شاملة تقود إلى حكم ديمقراطي حقيقي يلبي تطلعات الشعب، أو مواجهة العزلة الدولية الشاملة والملاحقة القانونية التي لن تستثني أحداً. ومن هنا، يبرز اجتماع مجلس الأمن الأخير كمنعطف ضاغط ومحوري يهدف إلى كسر جمود الأزمة ووضع حد نهائي للعبث بمصير السودانيين، مرسخاً حقيقة أن الطريق نحو السلام المستدام يبدأ حتماً من تجفيف منابع التطرف وتحقيق العدالة الناجزة للضحايا.

الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..