مقالات وآراء

البرهان ومحاولة ركوب موجة ديسمبر بعد فوات الاوان!

رشا عوض

الشعار الديسمبري الذي يعبر عن روح ديسمبر الحقيقية في هذه اللحظة التاريخية هو : ضد الكيزان والجنجويد وضد الحكم العسكري بواسطة الجيش!

عندما تقول ضد الكيزان والجنجويد فقط ، فمن المشروع جدا ان يركب البرهان بكل بساطة موجة ديسمبر ويثني على الشباب الذين احدثوا التغيير متناسيا مجزرة فض الاعتصام ومتناسيا ارواح مائة وعشرين شاب قتلوا بالرصاص بسبب تظاهراتهم السلمية ضد انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ ! ويعيد تعريف التغيير الذي سعت اليه ثورة ديسمبر تعريفا جديدا وهو تغيير من اجل اقتلاع المليشيا المتمردة وتنصيب البرهان حاكما ! في حين ان ديسمبر ثورة ضد التمليش من حيث هو ، وتهدف لاقتلاع كل المليشيات عبر وصفة منسجمه مع روحها السلمية وترجمة ذلك عملية للاصلاح الامني والعسكري والسياسي والاقتصادي لتخليص البلاد من المليشيات بتجفيف منابع التمليش الذي ازدهر في حضن النظام العسكركيزاني، وباصلاح الجيش وتحريره من التمكين الكيزاني واخراجه من السياسة.

ديسمبر هي تلك اللحظة التاريخية التي خرجت فيها الكتلة الجماهيرية الحرجة الى الشوارع تحت شعار حرية سلام وعدالة وقالت بصوت موحد لنظام البشير تسقط بس!

ما دام الشعار هو حرية سلام وعدالة فإن تطبيقه يقتضي الانتقال الى نظام ديمقراطي عبر تفكيك بنية الاستبداد والفساد وهذا التفكيك من اهم شروطه اعادة بناء المؤسسة الامنية والعسكرية على اسس جديدة وخروجها من السياسة والاقتصاد ، وهذه عقبة كبيرة تعثرت امامها الثورة السلمية ، لان نظام الكيزان الذي قامت ضده الثورة نظام عسكري غير تقليدي، جمع بين الاختراق العميق للجيش والتمكن من مفاصله وكذلك الشرطة، وبين امتلاكه لكتائب ظل بموازاة الجيش وشرطة شعبية بموازاة الشرطة الرسمية وجهاز امن يمتلك قوات مقاتلة وامن شعبي ، اما الد.عم السريع ومن قبله قوات حرس الحدود واصلها مليشيات الجنجويد، فكلها من تجليات العسكرة الكثيفة للفضاء السياسي بواسطة النظام الذي جعل البندقية رافعة للسلطة وفي ذات الوقت انقسم النظام على نفسه الى مراكز قوى كل مركز استثمر في قوة عسكرية بعينها ، مركز البشير استقوى بالدعم السريع والمركز المناهض للبشير استقوى بجهاز الامن وبالتنظيم الكيزاني داخل الجيش.

مشكلة البرهان انه لم يلتقط اشارة التاريخ غداة ديسمبر! وهذه الاشارة تقول بوضوح ان الحكم العسكري في السودان ما عاد ممكنا لان شرطه الاساسي ممثلا في وجود مؤسسة عسكرية واحدة ومتماسكة ومؤهلة فنيا لاحتكار العنف انعدم تماما ! فالتمسك بخيار الانقلابات العسكرية لا يعني سوى الحرب بين الجيوش المتعددة المتنافسة على السلطة والموارد! فالاستيلاء العسكري على السلطة ما عاد ممكنا بمجرد ارسال قيادات الحكومة الى السجن وتخويف المتظاهرين العزل بالرصاص ، بل باتت المهمة صعبة جدا لانها تتطلب سحق المنافسين العسكريين ! وهو امر اقل ما يتطلبه الحرب!

معضلة الحكم العسكري في السودان ما عادت المعارضة المدنية التي تفنن وتمرس في قمعها عقودا بل اصبحت معضلته هي المعارضة العسكرية!

ولذلك كان يجب على البرهان ان يرفع التمام لثوار ديسمبر بحق وحقيقة!

ولكنه بدلا من ذلك رفع التمام لعبد الفتاح السيسي في الخارج ! ولعلي كرتي في الداخل!

فشباب الثورة الذين يثني عليهم البرهان الان هم غواصات العسكر في الثورة! هم التصنيعات الامنية من ” غاضبون” وامثالها ! هم الشباب الذين تم ابتعاثهم الى مصر لتلقي التدريبات من مخابراتها على كيفية الحاق ديسمبر السودانية بذات مصير ٢٥ يناير المصرية!!

لو كان البرهان حريصا على ديسمبر لتعاون بإخلاص مع قوى الثورة في انجاح الانتقال، وتفكيك تمكين نظام الكيزان وصولا الى محطة الانتخابات الحرة النزيهة ، وطي صفحة الحكم العسكري عبر عملية اعادة بناء الجيش كجيش مهني ووطني وفي القلب من هذه العملية حل معضلة الد.عم السريع عبر الدمج والتسريح الذي يشمل كل المليشيات الاخرى!

هذه كانت الوصفة الوحيدة لتفادي كارثة الحرب!

اختار الكيزان خيار الحرب ظنا منهم ان هزيمتهم للد.عم السريع او على الاقل ترويضه ستعيد سيطرتهم الكاملة على السلطة بقبضة حديدية!

اختار البرهان مع سبق الاصرار والترصد قيادة ” حرب الكيزان” ظنا منه بانه عبر لعبة البيضة والحجر يستطيع تحقيق حلمه كدكتاتور عسكري يكتسب قوته من تناقضات خصومه! نفس اللعبة التي ” غطست حجر” البشير !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..