الفرص الضائعة: لماذا لم يُكسر مسار العطب؟

د. ناهد محمد الحسن
إذا كان العطب البنيوي في الدولة السودانية يعني أن الخلل يكمن في طريقة تصميمها، لا فقط في سلوك الحكومات المتعاقبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تُستثمر لحظات التحول الكبرى في إعادة التأسيس؟ لماذا تكررت الانتقالات السياسية، بينما ظل منطق الدولة نفسه قائماً؟.
فهم الفرص الضائعة ليس تمريناً في الندم التاريخي، بل خطوة ضرورية قبل الحديث عن الإصلاح. لأن الدولة التي لا تُراجع في لحظة كسرها، تعود إلى منطقها القديم ولو بعد حين.
عند الاستقلال في 1956، وُجدت أمام النخبة الوطنية فرصة نادرة لإعادة تعريف الدولة. لم تكن المشكلة آنذاك في غياب الشرعية الشعبية، بل في طبيعة الجهاز الموروث. الدولة التي ورثها السودانيون لم تكن صفحة بيضاء، بل جهازاً إدارياً–عسكرياً صُمم لضبط إقليم واسع بأقل تكلفة. ومع ذلك، لم تُطرح مسألة إعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف، ولا مسألة إعادة توزيع السلطة، ولا مسألة إعادة تعريف موقع المؤسسة العسكرية داخل النظام السياسي. تم التركيز على انتقال السيادة، لا على إعادة تصميمها. وهكذا كان الاستقلال لحظة استلام، لا لحظة تأسيس.
في 1964، حين سقط أول نظام عسكري تحت ضغط شعبي واسع، بدا أن التاريخ يمنح البلاد فرصة ثانية. عادت الحياة المدنية، واستعادت السياسة صوتها. غير أن ما تغير كان شكل السلطة، لا بنيتها. لم تُعالج مركزية القرار، ولم يُعاد تعريف الجيش داخل الإطار الدستوري، ولم تُمس البنية التي تجعل من التدخل العسكري خياراً قابلاً للعودة. كانت الديمقراطية انتقالاً سياسياً مشروعاً، لكنها لم تتحول إلى إعادة تأسيس مؤسسي. لذلك لم يكن عودة الانقلاب حدثاً مفاجئاً، بل استمراراً لمنطق لم يُكسر.
تكرر المشهد في 1985. سقط نظام عسكري آخر، وعاد الأمل في إصلاح المسار. لكن الأحزاب المدنية بقيت ضعيفة تنظيمياً، والجيش بقي خارج مساءلة تأسيسية حقيقية، وشبكات المصالح لم تُفكك. ظلت الدولة كما هي، بينما تغيرت وجوهها. وفي دولة صُممت للضبط أكثر مما صُممت للمشاركة، يصبح الانقلاب أداة كامنة داخل المنظومة نفسها.
أما لحظة 2019، فقد كانت أكثر تعقيداً من سابقاتها. لأن العطب البنيوي كان قد دخل مرحلة أكثر خطورة، هي مرحلة السيادة الموزعة. لم يعد العنف محتكرًا في مؤسسة واحدة، ولم يعد الاقتصاد تحت ولاية مركز واحد. تداخل المال والسلاح، وخرج جزء من الريع عن الإطار المؤسسي. في هذا السياق، لم يكن الانتقال مجرد تفاوض سياسي، بل كان صراعاً داخل تصميم متشظٍ. ومع أن اللحظة حملت إمكانات واسعة، فإن معالجة جذور العلاقة بين السلاح والاقتصاد لم تتم مبكراً بالقدر الكافي. وهكذا ظل المحرك يعمل داخل هيكل متصدع.
ما تكشفه هذه المحطات المتكررة ليس ضعف الإرادة فحسب، بل نمطاً ثابتاً: التركيز على تغيير القيادة دون تفكيك البنية. كان السؤال في كل مرة: من يحكم؟ بينما ظل السؤال الأعمق مؤجلاً: كيف تُحكم الدولة؟ وكيف تُوزع السلطة؟ ومن يحتكر العنف؟ وكيف يُدار المال العام؟
هذا لا يعني أن المسار كان حتمياً. التاريخ لم يكن مغلقاً. كانت هناك دائماً نافذة لإعادة التأسيس. لكن إعادة التأسيس تتطلب استعداداً لمراجعة المنطق المؤسسي نفسه، لا الاكتفاء بإزاحة من يشغله.
الفرص الضائعة تكشف أيضاً أن العطب البنيوي لا يعمل بمعزل عن أعطاب أخرى. فهو يتعزز بعطب نخبوي حين تفشل النخب في تجاوز صراعاتها التكتيكية إلى مراجعة القواعد. ويتغذى من عطب معرفي حين يُختزل الصراع في شخصيات أو أحداث، لا في هندسة الدولة ذاتها. وهكذا تتشابك الأعطاب، ويُعاد إنتاج الأزمة في كل دورة انتقال.
من هنا يصبح سؤال الإصلاح سابقاً بسؤال أدق: هل نريد تغيير حكومة، أم إعادة تعريف الدولة؟ لأن التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة إسقاط المنطق الذي سمح بعودته.
في المقال القادم، ننتقل من سؤال الفرص الضائعة إلى سؤال الإمكان: كيف يمكن إعادة تصميم الدولة في سياق معقد كهذا؟ وما الشروط التي تجعل الإصلاح تأسيسياً لا انتقالياً فقط؟.



