علي اعتاب عامها الرابع, محاولة لتشريح مسار الحرب

مهدي رابح برير
“أدت الانقلابات العسكرية إلى انتقال السلطة ممن يسيطرون على وسائل الإنتاج إلى من يسيطرون على وسائل الدمار.”
بروفيسور علي مزروعي
تظل مقولة المفكر الكبير المزروعي، والتي حاول عبرها وصف الواقع السياسي في أفريقيا بعيد الاستقلال، تتخذ معناها الحرفي الكامل عند إسقاطها علي واقع السودان اليوم، وربما نجرؤ ونضيف الي وسائل الدمار وسائل تدفق المعلومات أيضا..
فالقطاع الأمني والعسكري، بكل مكوناته الرسمية والموازية، تحول تدريجيا خلال حكم الاسلامويين العضوض الي أداة للاستحواذ علي السلطة والثروة والاحتفاظ بهما، محصّنا قانونيا من المحاسبة القضائية وضاربا حول نفسه ستارا من السرية بعيدا عن أعين الرقابة المدنية، تشريعية، مالية، أهلية وغيرها، التي تسمح للمواطنين في البلدان الطبيعية الناجحة، اي المالكين بالأصل لهذه المؤسسات من ضبط أدائها وتحديد مهامها في توفير سلعة الأمن وتسمية قياداتها ومحاسبتهم على أدائهم.
بل أصبح، عبر إمكاناته الكبيرة وقدراته الاستخباراتية المتراكمة هو المسيطر علي تدفق المعلومات في الفضاء العام المدني والقادر إلى حد كبير من توجيه الرأي العام الي ما يخدم أجندات جنرالاته وشبكات المصالح المرتبطة بهم، أو ما يسمى بهندسة الوعي.
وهو ما أوصلنا في حقيقة الأمر الي هذا الوضع الشاذ والذي انقلب فيه المدنيون علي بعضهم وتمزق فيه النسيج المجتمعي بما يُعجز الرتق علي الراتق بدلا أن توجه أصابع الاتهام إلى القتلة واللصوص ومجرمين الحرب المسؤولين حقيقة عن مآلات هذا الخراب العريض. وما يجعل من محاولة قراءة مسار الأحداث عملية في غاية التعقيد ومحاولة تحليل مبررات اتخاذ هذا الطرف أو ذاك خطوة ما محفوفة بمزالق التبسيط وفي أفضل الأحوال بمخاطر السقوط في فخاخ التفكير ال رغائبي المتفائل.. فلا البرهان يسعى لاستعادة كرامة أحد غيره هو ولا حميدتي يسعى لأي شكل من أشكال الديموقراطية والعدالة الاجتماعية ولا الاسلامويين يسعون لتأسيس دولة الفضيلة الاي يمتون إليها بصلة… فالمراقب الخارجي، وربما الداخلي أيضا بعد أن ينقشع غبار هذه الحرب العبثية، سيندهش جدا من قدرة الجناة في طرفي الحرب علي التضليل وجرّ الضحايا، واقصد بذلك المدنيين، إلى مستنقع الاستقطاب و الاصطفاف علي جانبي خط القتالِ. بل تخطت نجاحاتهم غير المجيدة إلى تحويل الفضاء العام الي ميدان معركة بين المدنيين أنفسهم معبِّرا عن مدى التشظي الذي سببته هذه الحرب في المجتمع المدني ومدى قدرتها بالتالي على اضعافه على حساب تقوية الأطراف المتقاتلة وزيادة قدرتها على الحشد والتعبئة والتجنيد والعسكرة. مستغلةً في المقام الأول ضعف المؤسسات الديموقراطية و فجوة الوعي السياسي الذي تسببت فيه عقود من القمع والاستبداد وتدهور مستوى التعليم ونوعيته وعمّقه انفتاح الفضاءات الاسفيرية وما يكمن فيها من قدرات مهولة على صناعة واقع موازٍ وتاريخ مزيّف عبر مخاطبة غريزة البقاء ودغدغة العواطف السالبة من كراهية وخوف من الآخر، المختلف… الخ. عودا علي بدء، ولمحاولة التمسك بأطراف تلابيب رؤية أقل ضبابية لما يعتمل داخل الفضاء الأمني والعسكري من الواجب الاستعاضة عن الاستناد الي افتراضات مبنية على معلومات مستقاة من الفضاء العام، الملغوم استخباراتيا من الطرفين، والاستناد بدلا عن ذلك على ما نعلمه يقينا من معطيات موضوعية متاحة وأكثر تماسكا. أول تلك الحقائق هو أن المسار الذي سبق هذه الحرب هو مسار تنافسي بين ثلاث مشاريع رئيسة، مشروع التحول الديموقراطي ومأسسة الدولة وسيادة حكم القانون التي حملها المدنيون إبان الفترة الانتقالية مدفوعين بزخم ثورة ديسمبر المجيدة ومسار مشروعين استبداديين عسكريين كليبتوقراطيين (لصوصيين) منافسين ومتنافسين حملهما كل من البرهان وحميدتي، يقف من ورائهما حلفائهما المحليين والاقليميين.
وعند خروج المدنيين من المعادلة عقب انقلاب الكارتيل الذي يقوده كل من برهان و حميدتي وتحالفهما التكتيكي قصير الأجل في 2021م خرجت معهم الأدوات السلمية المتاحة لحل النزاع سلمياً وفرض السلاح نفسه كالأداة الوحيدة المتبقية .. فأوصلتنا إلى حرب قذفتنا بدورها إلى عهد ما قبل الدولة وإلى مأساة إنسانية غير مسبوقة وانتهاكات لحقوق الإنسان ترقى لجرائم الحرب والجرائم الموجهة ضد الإنسانية. وبغض النظر عن أي عنصر آخر أضيف الي معادلة الصراع الذي وصل بنا إلى انفجار 15 ابريل 2023 و علي الرغم من الشعارات الرنانة التي تم تبنيها عَقِبه من قِبل الطرفين والخطوات التي تم إعلانها قبولا و رفضا للهدنة أو التفاوض وبناء على محاولة القراءة الواقعية التالية فإن كِلا المشروعين العسكريين، برهان/حميدتي، المدعومين أقليمياً بأجندات لا علاقة لها بمصلحة السودان ومواطنيه ، لم يخرجا عن مسارهما التنافسي الأساسي، اي السعي علي السيطرة الكاملة على السلطة وبأي ثمن.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلي مدي التاريخ القريب فإن الأمر ينسحب علي استجابة الطرفين المتباينة للعملية السياسية في ديسمبر 2022م والتي سعت لإيجاد مخرج يجنب مواجهة الطرفين عسكريا عبر الاتفاق الاطاري. بمعنى أن كل الخطوات التي سبقت الحرب واعقبتها والتي قد تعطي انطباعا مغلوطا بانحياز اي من الأطراف، في اي لحظة زمنية كانت، للسلام الحقيقي المستدام أو التحول الديموقراطي والمؤسسي وتحقيق العدالة هي على الأرجح خطوات تكتيكية في مسار واحد ثابت، او بتعبير مبسط كانت تغييرا مؤقتا للطرق التي تؤدي جلّها إلى روما.
والسبب الذي يدفعنا لهذا الاستنتاج المنطقي يرجع إلى طبيعة تكوين كل من الطرفين فمن جهة هنالك مؤسسة عسكرية رسمية، تعاني من تشوهات بنيوية عميقة .. فهي في أساسها مؤسسة ورثها السودان من المستعمر الذي استخدمها كأداة فعالة لتحقيق ركيزتين أساسيتين لأي حكم استعماري، وهما السيطرة على النطاق الجغرافي واستغلال موارده الطبيعية.
وهي أداة مكملة لما يعرف بنهج الحكم غير المباشر، حيث نجحت الإمبراطورية البريطانية في حكم السودان مركزيا وبسط سيطرتها على مساحاته المهولة بجيش صغير نسبيا وعدد من الموظفين قدر بال 1200 فقط, عبر تفويض وكلائها من القيادات الطائفية والأهلية، ذات النفوذ علي رعاياها، مقابل امتيازات سياسية واقتصادية معتبرة، بينما يلعب الجيش دور القوة الضاربة المهددة لتلك المكاسب، معلقا على رؤوسهم كسيف ديموقليس. أي أنه كان وما زال وسيلة فعالة في يد السلطة المركزية لتقليل كلفة شراء الولاءات.
وهو دور استمر ما بعد الاستقلال الي حد كبير، حيث تحول أيضا إلى أداة لوصول نخب منظمة إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية – 17 تحديدا اربع منها ناجحة – وهي نخب في غالبها حاملة لمشروعات ايديولوجية دوغمائية تسعى فرضها مركزيا من اعلي هرم السلطة بالقوة. استخدم الجيش أيضا لحسم الاحتجاجات المسلحة في أطراف السودان المهمشة والتي نهضت متمردة على المركز ساعية لمعالجة الظلم الاجتماعي المتراكم الذي تعرضت له مجتمعاتها.
بينما تحولت مؤسسات القطاع الامني الأخرى كالشرطة والمخابرات/الأمن إلى أدوات للقمع السياسي في المراكز المدينية. ونظرا لطبيعة تكوين الجيش منذ تأسيسه، اي كقوة قمع مركزية رمزية، اضطرت الأنظمة الحاكمة المتعاقبة بما فيها بعض الحكومات المنتخبة، إلى اللجوء الي تسليح بعض المكونات القبلية للقتال بجانبها ضد مكونات اخري (متمردة) مستثمرة التشظي المجتمعي المزمن. هذه الظواهر تعمقت بصورة كبيرة خلال ثلاثين عاما من حكم الإنقاذ بفعل التسييس الكبير للقطاع الأمني والعسكري وتمدده في الفضاء الاقتصادي بنمط ثابت من مأسسة الفساد, ما أسفر سيطرته المباشرة وغير المباشرة علي غالب النشاط التجاري والخدمي – 82% من النشاط الاقتصادي – محتكرا إياه لحساب طبقة من الاوليغاركية العسكرية والمدنية التي تدير النظام المركزي القابض او تدين له بالولاء المطلق وعلى حساب كل ما من شأنه أن يقود الي تنمية تخرج البلاد ومواطنيها من ازمته.
هذا الوضع حول القطاع الأمني والعسكري, بجانب كونه أداة للسيطرة السياسية, الي أداة لمراكمة الثروات بطرق اقل ما يقال عنها اشبه بنهج الجريمة المنظمة (المافيا). بالمقابل فإن قوات الدعم السريع, وهي جزء من القطاع الأمني والعسكري ومن الكارتيل اللصوصي الموروث من حكم البشير, تم تكوينه لعين الأهداف المذكورة انفا.
الا انها تطورت من مليشيا قبلية صغيرة لكن فاعلة قتاليا ولا تمتلك سقفا أخلاقيا الي جيش منظم ذو نفوذ اقتصادي مهول (يقدر ب 12% من الناتج الإجمالي المحلي) اشبه بشركات القطاع الخاص العائلية على راسه ويتحكم فيه رئيس مجلس إدارة (حميدتي) يلعب دورا غير مباشرا في لعبة توازن القوي داخل النظام قبل ثورة ديسمبر ثم دورا مركزيا بعدها. وهو دور مهد له قدرته على المناورة السياسية و الوصول الي مصادر الموارد التي وفرها له الارتزاق الرسمي في حرب اليمن والدعم المباشر لقوي إقليمية وسيطرته على تعدين الذهب وتهريبه لكن الأهم من ذلك قدرته على شراء الولاءات وعلي راسها عديد جنرالات الجيش الرسمي نفسه قبل الحرب.
الطرفين وعقب إسقاط البشير تحولا الي مراكز قرار متنافسة وهو ما دفعهما، في ظل الرفض الجماهيري لكليهما ومحدودية الموارد، الاستعانة بقوي خارجية تسعي لتشكيل الواقع السياسي الجديد في السودان وفق مصالحها. أبرز تلك القوي بالطبع هي مصر من جهة، بما لديها من نفوذ قديم داخل المؤسسة العسكرية عبر وكلاء خاضعين، ووجود استخباراتي راسخ في النسيج المجتمعي والسياسي، والإمارات المتحدة التي تدعم مشروع حميدتي السلطوي وفق خط استراتيجي يطمح لوجود نافذ في البلاد ووضع يدها على ما يكمن فيها من موارد طبيعية ضخمة وموقع استراتيجي يطل علي البحر الأحمر.
العامل الأخير الذي يجب وضعه في الحسبان لقرائة الخطوات التي يتبناها الطرفين هو العامل الفردي، فمن جهة الجيش مسيطر عليه بصورة كاملة من قبل البرهان وعصبته من الجنرالات، وهم بحكم مواقعهم، وفي أي وضع لجيش طبيعي، موظفون كان يجب أن يحالوا للمعاش منذ سنوات بحكم تقدمهم في السن وتحويل عدد لا بأس بهم للمحاكم بناء علي مسوؤليتهم الجنائية المباشرة أو التقصيرية، عن جرائم عديدة قبل وبعد ثورة ديسمبر. بالإضافة إلى حجم الفساد الذي يمكن تتبع آثاره الي الفترة القصيرة التي قضوها أعضاء في المجلس العسكري عام 2019م. وهو ما يجعل من اي اتفاق سياسي مهددا وجوديا مباشرا لهذه المجموعة ويفسر، بجانب ضغط شركائهم من الاسلامويين وتجار الحرب، رفضهم لأي محاولة لوقف القتال أو الدخول في مفاوضات، فهم كالذي اسرج نمرا واعتلاه كما يقول المثل الشعبي. أما حميدتي وعصبته، ورغم ارتكابهم لجرائم لا تقل خطورة عن جماعة البرهان الا انه محصنون بالقوة المادية. فهم المالكين لقوات الدعم السريع والمتحكمين المباشرين في مواردها. وهم بحكم ذلك يعلمون أن أحالتهم للمعاش أمرا غير واقعي عدا انه تهديد وجودي مباشر.
كما أن النفوذ السياسي في يد حميدتي إلى حد كبير، ما يجعل من اتخاذه لقرار وقف إطلاق النار والدخول في تفاوض أيسر من البرهان، كما أنها تمثل فرصة لترسيخ درجة من الشرعية الدولية التي يفتقدها بشدة. ويمكنه بتحويل قوته القتالية الي موقف تفاوضي من الاقتراب خطوة نحو السلطة المطلقة، فالمتتبع لمحاولات مسانديه تشبيهه بالرئيس الرواندي بول كاغامي يفسر ذلك بوضوح ويلقى الضوء على حقيقة مشروعه السياسي.
كل تلك العوامل تشير في منتهاها الي أن الحرب على الأرجح، حتي ولو تخللتها اتفاقيات لوقف مؤقت/تكتيكي لإطلاق النار، ستستمر لسنوات متطاولة، ما دام دولة سيادة حكم القانون تمثل تهديدا لطرفي الحرب وما دام بإمكانهما الوصول الي الموارد والسلاح، عبر تهريب الذهب أو الدعم الخارجي، وما دام كليهما مرتبطين مباشرة بقوي خارجية في سياق صراع إقليمي بالغ التعقيد. اذا ما هو الحل؟، في الصراعات المشابهة لا تتوقف الحروب الا عندما يصبح السلام أقل كلفة لأمراء الحرب من القتال. وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون حصار هؤلاء المجرمين.
قانونيا اولا عبر السعي لكشف جرائمهم وفسادهم ثم السعي لتقديمهم للعدالة الدولية، وهو ما سيضع مسانديهم الاقليميين في موقع ضعف أيضا وربما سيدفعهم للوصول الي نوع من التسوية.
ثانيا عبر استهداف وقطع تدفق الموارد، فالحرب تعني المال والسلاح، ويمكن جدا اذا توفرت الإرادة الحقيقية إيجاد شركاء دوليين يدعمون هذا الاتجاه ويسعون لانفاذه ولو جزئيا.
في الختام أرى أنه ما زال هنالك امل للحل لكنه لن يكون بسيطا أو سريعا، وشرطه الأساسي دون شك هو أن يصبح مشروع التحول المدني الديموقراطي هو أساس اي اتفاق سياسي أو سلام مستدام… يبقى واجبنا اليوم، اقصد بذلك المدنيين الساعين لوحدة السودان ووقف الحرب وعدم تكرارها مستقبلا، أن نعمل على تطويرذلك المشروع وتطوير رؤية سياسية استراتيجية لفرضه كواقع على اي طاولة مفاوضات قادمة.



