مقالات وآراء

ما وراء الزي الأفريقي: حميدتي بين الظهور المغازل والغياب المخطط

م. معاوية ماجد

في السياسة، لا يكون الظهور المفاجئ حدثا عفويا، بل علامة على اكتمال ترتيب سابق. وكل عودة إلى الضوء بعد غياب طويل، خاصة في سياق حرب مفتوحة، هي إعلان ضمني عن انتقال في الدور أو إعادة تعريف للموقع. لذلك لم يكن ظهور محمد حمدان دقلو في أوغندا مجرد استعادة حضور إعلامي، بل خطوة محسوبة في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، ترافقت مع حراك إفريقي سبقته جولات لوزير الدولة الإماراتي شخبوط بن نهيان آل نهيان في العواصم ذاتها. هنا تتبدى السياسة بوصفها شبكة من الإشارات المتبادلة، لا سلسلة من الوقائع المعزولة.

الخطاب الذي قُدم في كمبالا حاول أن يصوغ صورة جديدة: قائد عسكري يتحول إلى رجل دولة محتمل، ينفي الطموح إلى الرئاسة، ويتحدث بلغة تسوية سياسية، ويطرح نفسه شريكا في مستقبل السودان. غير أن ما بدا في ظاهره إعادة تموضع، انكشف في تفاصيله عن تناقضات عميقة، وأخطاء سردية، وانزلاقات خطابية أربكت الصورة التي سعى إلى تثبيتها.

فالرواية المتعلقة بسيناريو لقائه بالرئيس السابق، وحديثه المتذبذب عن حلم الرئاسة نفيا وإثباتا، ومحاولته تقديم نفسه بوصفه خارج سباق السلطة، كلها عناصر بدت أقرب إلى بناء سردية دفاعية منها إلى عرض وقائع متماسكة. كما أن إنكاره المسبق لأي طموح رئاسي لا ينسجم مع مؤشرات القوة التي ظل يسعى إلى تثبيتها ميدانيا وسياسيا. بل إن بعض تصريحاته نقضت تصريحات سابقة له، وأظهرت هشاشة في ضبط الرسالة السياسية، وكأن الخطاب المعلن لم يكن متكئا على رؤية مستقرة، بل على محاولة آنية لإعادة صياغة المشهد بعد أن سبقته الوقائع.

إن قراءة هذا الظهور في سياقه الإقليمي تفتح الباب أمام فرضية أن ما جرى لم يكن مبادرة ذاتية خالصة، بل جزءا من مخطط أوسع جرى رسمه بعناية من جهة إقليمية طامعة في إعادة تشكيل موازين القوة في السودان، وربما في الوصول غير المباشر إلى موارد الدولة عبر إعادة إنتاج فاعلين محليين في صورة مقبولة دبلوماسيا. في هذا الإطار، تصبح جولات شخبوط الإفريقية السابقة تمهيدا سياسيا لتهيئة مناخ استقبال النسخة الجديدة من حميدتي، نسخة تتحدث عن السياسة لا عن الحسم العسكري، وتغازل الإقليم بشعار “القضاء على الحركة الإسلامية” بوصفه مدخلا مريحا للتبرير الأخلاقي للتدخل.

وجاء ظهوره بالزي الأفريقي التقليدي محملا برسالة سياسية محسوبة، إذ بدا وكأنه يعيد تموضعه داخل الفضاء الأفريقي، مغازلا العواصم التي قد يرى فيها مجالا حيويا لدور قادم، في ظل انحسار القبول به داخل الدوائر العربية والأوروبية والآسيوية، بل وحتى في الولايات المتحدة التي تباطأت في ترجمة تصريحاتها بشأن مسارات الحل إلى فعل مؤثر. ذلك الزي لم يكن اختيارا عفويا، بل إشارة رمزية إلى أن رهانه المقبل قد يكون عبر الفاعلين في أفريقيا، لا عبر المنصات التي أغلقت أبوابها أمامه. ومن تناقضاته اللافتة قوله إنه لا يتعاطى وسائل التواصل الاجتماعي، ثم إقراره في السياق ذاته بأنه أصبح حديث الناس، وأن الجدل حول شخصه — بين من زعم أن ظهوره غير حقيقي وأنه مجرد شبيه، ومن ذهب إلى حد القول إنه روبوت — يؤكد حضوره الطاغي في الوعي العام. هذا التناقض يكشف اضطرابا في إدارة الصورة العامة، ويعكس وعيا متأرجحا بين إنكار التأثير والاعتراف به.

كما أن ادعاءه مخاطبة الجالية السودانية في أوغندا لم ينسجم مع طبيعة الحضور الذي بدا أقرب إلى دائرة تنظيمه المعروف بتأسيس، وبعض المؤيدين من خاصته وأهل قرباه، أكثر من كونه لقاء مفتوحا لجمهور متنوع يمثل الشتات السوداني.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة غيابه الطويل قبل هذا الظهور بوصفه جزءا من الخطة ذاتها، لا مجرد ظرف أمني أو تكتيك ميداني. فقد عُرف عن الرجل محدودية أدواته في التعاطي الإيجابي مع الخطاب السياسي المركب، وكثرة انزلاقه إلى تصريحات غير محسوبة. وعليه، فإن تحجيم ظهوره الإعلامي طوال تلك الفترة يبدو خطوة حذرة اتخذها المحرك الإقليمي الفاعل، خشية أن يؤدي حضوره المنفلت إلى كشف مبكر لطبيعة السعي الجاري في دروب الحرب وطموحات السيطرة الكامنة خلف الشعارات المعلنة. كان الصمت هنا أداة إدارة، لا علامة غياب؛ وإرجاء الظهور جزءا من ترتيب مسرحي أُريد له أن يكتمل قبل رفع الستار.

غير أن اختزال الحرب في شعار استئصال خصم أيديولوجي يشي بأن الخطاب لم يكن موجها إلى الداخل السوداني بقدر ما كان موجها إلى الخارج الباحث عن عناوين جاهزة لتفسير الصراع. فالحركة الإسلامية، على ما لها وما عليها، تحولت في هذا السرد إلى ذريعة دخول، أكثر منها توصيفا دقيقا لبنية الأزمة. وهنا يظهر التوظيف السياسي للشعار، لا بوصفه برنامجا، بل بوصفه أداة تعبئة واستقطاب.

وفي هذا الإطار، أشار حميدتي إلى مفاوضات جدة والدور الذي لعبته كخطوة سالبة في مسار الحل، وهو بذلك قد أغلق هذا المدخل الاستراتيجي إلى الأبد. فالسعودية، بدورها الإقليمي المؤثر، وسعي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للحل السلمي، ومناشدته للرئيس دونالد ترامب للتدخل، يمثل استراتيجية واضحة لتمكين دور فاعل للدولة السودانية ضمن حل شامل.

أما على مستوى الوقائع الميدانية السابقة للحرب، فإن تدفق الأرتال العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع إلى العاصمة قبل اندلاع القتال، وانتشارها في مواقع استراتيجية، لم يكن تفصيلا عابرا في سياق توتر سياسي، بل مؤشرا على خطة يجري ترتيب تنفيذها. ذلك الحشد المنظم، في توقيت بالغ الحساسية، يعزز فرضية أن ما حدث لاحقا لم يكن انفجارا مفاجئا لصراع طارئ، بل نتيجة مسار تصعيدي سبقته ترتيبات لوجستية واضحة. وحين تُقرأ هذه الوقائع إلى جانب الخطاب السياسي اللاحق، تتشكل صورة أكثر اتساقا عن مشروع كان يتقدم بخطوات محسوبة، وإن غُلِّف لاحقا بلغة دفاعية.

على مستوى الشخصية السياسية، يبرز سؤال جوهري: هل يمتلك حميدتي أدوات قائد سياسي قادر على إدارة تعقيدات الدولة الحديثة؟ إن أداءه الخطابي، بما انطوى عليه من تناقضات وعدم اتزان في الرسائل، يشير إلى فجوة بين الدور العسكري الذي أتقنه بأدوات المليشي، والدور السياسي الذي يتطلب خبرة تفاوضية، وحساسية مؤسسية، وقدرة على ضبط اللغة ضمن استراتيجية طويلة النفس. تبدو صورته أقرب إلى فاعل يتم تحريكه ضمن شبكة مصالح أوسع، لا إلى مهندس مستقل لمشروع وطني متكامل. وكثيرا ما يخرج خطابه عن النسق المتوقع، فيسوق حديثا غير منضبط سياسيا، يربك الحلفاء قبل الخصوم، ويكشف حدود الأدوات المتاحة له خارج الميدان العسكري.

في المقابل، لا يمكن إغفال مسؤولية قوى مدنية سعت إلى إنهاء الحرب وصناعة مخرج سياسي، تحت مسميات متعددة من بينها “صمود”. غير أن هذه القوى، على صدق نوايا كثير من رموزها، تعاني من نقص في الحنكة السياسية التي يتطلبها التعاطي مع فصيل سياسي حكم البلاد ثلاثين عاما، وتشكلت لديه خبرة عميقة في إدارة الصراع والبقاء في السلطة. لقد ظهر هذا القصور جليا إبان الفترة الانتقالية، حين غلب الخطاب الأخلاقي على الحسابات الواقعية، وتقدمت الشعارات على بناء موازين قوى حقيقية تحمي المسار المدني من انتكاس محتمل.

أما على المستوى الدولي، فقد ظلت الولايات المتحدة تعد بدور حاسم في إنهاء الحرب، غير أن الفعل لم يرق إلى مستوى الوعد. بيانات إدانة، عقوبات محدودة، ومحاولات وساطة متقطعة، دون ضغط استراتيجي كاف لفرض تسوية ملزمة. السودان، في ترتيب الأولويات العالمية، بقي ملفا مؤجلا في ظل أزمات دولية أكثر إلحاحا.

وبالمثل، اتسم دور الاتحاد الأوروبي بتركيز إنساني واضح، مقابل حضور سياسي محدود. القلق من تدفقات الهجرة ومن الكارثة الإنسانية لم يتحول إلى مبادرة أوروبية موحدة قادرة على التأثير في مسار الحرب. وهكذا ظل الإقليم ساحة مفتوحة لتجاذبات قوى أخرى أكثر حضورا وأشد براغماتية.

إذا أردنا قراءة المشهد السوداني قراءة كلية، لا تجزيئية، فإننا نكون بإزاء منظومة صراع تتداخل فيها خمسة أطراف فاعلة، لكل منها منطقه الخاص، ومصالحه، ومخاوفه، وأدواته.

فالجيش السوداني يقدّم نفسه بوصفه الحارس الأخير لوحدة الدولة، والمؤسسة الوطنية التي لا يجوز تفكيكها. وهو يستند إلى سردية الحفاظ على الكيان، ومنع انهيار البلاد إلى نماذج التفكك الشامل. غير أن هذه السردية، مهما بلغت وجاهتها، تبقى رهينة قدرته على التحول من منطق الغلبة العسكرية إلى منطق إعادة التأسيس المؤسسي، حيث يكون الجيش جزءا من دولة مدنية لا بديلا عنها، وضامنا للدستور لا فاعلا سياسيا مستقلا عنه. مستقبل دوره مرتبط بمدى استعداده للقبول بإعادة تعريف موقعه داخل معادلة حكم مدني ديمقراطي، لا وصيا عليه.

وفي هذا السياق ذاته، تبرز «القوات المشتركة» بوصفها عقدة أمنية لا تقل خطورة. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة المرجعيات داخل العاصمة، خارج إطار الضبط المؤسسي الصارم، يحول المدينة إلى مساحة احتمالات مفتوحة على الانفجار. إن كل المؤشرات المرتبطة بسلوك هذه التشكيلات توحي بأنها قنبلة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة، ما لم يُحسم وضعها عاجلا عبر قرار واضح من المؤسسة العسكرية بإخضاعها الكامل لسلسلة قيادة موحدة، أو إعادة هيكلتها ضمن ترتيبات أمنية شفافة. فترك هذا الملف معلقا يعني ببساطة إعادة إنتاج شروط الأزمة، حتى لو توقفت المعارك مؤقتا.

أما الحركة الإسلامية، فقد وجدت نفسها بين مطرقة الاتهام وسندان العزلة. وهي، بخبرتها الطويلة في إدارة الدولة والصراع، تدرك أن الزمن عنصر حاسم في إعادة التموضع. بعض دوائرها قد ترى في استمرار الحرب فرصة لإعادة إنتاج شرعية تحت عنوان الضرورة أو الخطر الوجودي، بينما يدرك تيار آخر أن أي عودة مستدامة لا يمكن أن تتم إلا عبر مراجعات فكرية وتنظيمية عميقة تقطع مع نماذج الاحتكار والإقصاء.

قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، تمثل العقدة الأكثر تعقيدا في معادلة الحل. فهي قوة مسلحة ذات امتدادات اقتصادية واجتماعية، نشأت في سياقات استثنائية، ثم تحولت إلى لاعب مركزي في الدولة. استمرارها خارج إطار جيش وطني موحد يطيل أمد الازدواجية القاتلة في بنية السلطة. وأي تسوية لا تعالج مسألة الدمج وإعادة تعريف منتسبيها، وإعادة الهيكلة، والاحتكار الشرعي للعنف بيد الدولة، ستبقى تسوية مؤقتة.

القوى المدنية الساعية إلى الحل، رغم ما تعانيه من تشتت ونقص في الخبرة التفاوضية، تظل التعبير الأكثر صدقية عن مطلب الدولة المدنية. غير أن الرغبة الأخلاقية لا تكفي لصناعة انتقال سياسي. المطلوب منها هو الانتقال من خطاب الاحتجاج إلى هندسة البدائل، وبناء جبهة مدنية واسعة قادرة على فرض معادلة جديدة.

أما المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيقف بين اعتبارات الاستقرار ومصالح النفوذ. فإذا أراد أن يكون جزءا من الحل، فعليه أن يدعم عملية سياسية شاملة، تربط وقف إطلاق النار بترتيبات انتقالية واضحة، وضمانات تنفيذ حقيقية، وآليات مساءلة جادة.
إن السلام الدائم في السودان لن يولد من انتصار طرف على آخر، بل من إعادة صياغة العقد السياسي برمته: جيش مهني واحد، إنهاء الازدواجية المسلحة، حسم ملف القوات المنتشرة داخل العاصمة، إطلاق مسار مدني جامع، ثم الانتقال إلى حكومة مدنية ذات تفويض شعبي حقيقي.

الحل ليس صفقة فوقية، بل عملية إعادة بناء شاملة: بناء الثقة، وبناء المؤسسات، وبناء معنى وطني جديد يتجاوز الحرب. عندها فقط، يمكن أن يتحول هذا الصراع من مأساة مستمرة إلى درس تاريخي، وتتحول الدولة من ساحة تنازع إلى فضاء مشترك يتسع للجميع.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..