مقالات وآراء

البرجوازية الصغيرة عندما ترتدي ثوب الماركسية

تتحول لمرض طفولة يساري (1-4)

صدقي كبلو

في الرد على حراك في كتابها الموسوم ” الانحراف الإصلاحي في الخطاب الاقتصادي لصدقي كبلو
“تشريح ماركسي للبرجوازية الصغيرة المتسترة”
تقديم
تقول حراك في تمهيدها لمكتوبها:
” الوهم الإصلاحي في ثوب النقد

في فيديو على اليوتيوب (1)، قدّم الدكتور صدقي كبلو تحليلاً اقتصادياً يُقدّم نفسه كبديل نقدي للأوضاع المأزومة في السودان. يتدثر هذا الخطاب بلغة نقدية تبدو حادّة، لكن التشريح الجذري يكشف عن تناقض مركزي: بين الشكل الماركسي العرضي والمضمون الإصلاحي الجوهري. هذا المقال لا يكتفي بنقد طروحات كبلو، بل يكشف عن الآلية الإيديولوجية التي يحوّل بها خطابه الماركسية من نظرية للثورة إلى أداة للترقيع داخل النظام الرأسمالي، ممثلاً بذلك الوعي البرجوازي الصغير في أرقى تجلياته الانتهازية.”
دعوني أولا أشكر حراك على أخذها وقت للسماع للفيديو:

ونشرت حراك رسمة (بورتريه) لشخصي، أعجبتني، وارجو أن ينقلوا شكري للرسام

ومن البداية دعوني أقر بأصولي الطبقية، كشخص ولد في عائلة برجوازية (لوالد كان تاجرا للماشية)، تعلم وأنتمى بفضل التعليم لفئة المهنيين (باحث واستاذ جامعي} ولكنه طواعية وبجهد ذاتي وبمساعدة من الحزب الشيوعي السوداني في التدريب النظري والعملي، تخلى عن أوهام طبقته وانتمائه الطبقي ليصبح شيوعيا يتبنى المنهج الماركسي في التفكير ويقتنع بنظرية الثورة السودانية التي صاغها الحزب الشيوعي السوداني عبر تاريخه من خلال الصراع الطبقي في المجتمع وداخل أروقته متمسكا بالتنظيم اللينيني. وقد عبرت عن مساهمتي النظرية في داخل الحزب وفي مساهمات مكتوبة، نشر بعضها في كتب ومقالات،
1- مذكرات معتقل سياسي،
2- من يقود الرأسمالية السودانية،
3- موسم الهجرة لليمين،
4- اقتصاديات الدولة والثورة المهدية،
5- حول النخبة والطبقة والجهوية والإثنية،
6- ونظرية الثورة السودانية
7- اقتصاد الأزمة أم أزمة الاقتصاد
8- مقالات في الاقتصاد والسياسة الاقتصادية
9- الاقتصاد السياسي للأزمة في السودان
10- ملاحظات في الماركسية والشيوعية والهوية
11- حوارات وأحاديث للصحافة

وقدم بعضها في مؤتمرات وندوات جماهيرية وسجل بعضها في فيديوهات مبذولة في اليوتيوب وصفحة الحزب. ولا أريد أن أمتن على شعبي وحزبي بالنضال العملي ولا فترات الاعتقال في ديكتاتورية نميري والبشير، لكن الإشارة لذلك كدليل على جدية اقتناعي بالطريق الذي اخترته طواعية وبوعي كامل واقتناع ولم أسعى لمنصب حكومي أو لتحقيق مكسب شخصي لنفسي أو عائلتي أو فئتي الطبقية من خلال انتمائي للحزب الشيوعي وبالتالي أنفي صفة الانتهازية الفكرية والعملية.

الانحراف اليميني واليساري وتاريخ الحزب:

لم أفاجأ ببروز تيار يساري برجوازي صغير، يحتكم للنصوص ويملأ الفم والصفحات الإلكترونية بالحديث عن الطبقة العاملة وديكتاتورية البروليتاريا وطرح قضية الاشتراكية كقضية راهنة في الوضع السوداني، فخلال الأزمات التي تواجه بلادنا تبرز تيارات يمينية ويسارية، تبحث عن الحلول العاجلة للأزمة، دون تحليل ملموس للواقع الملموس، فتدعو للاستسلام في حالة التيار اليميني أو للمغامرة أو العزلة في حالة التيار اليساري الانتهازي الذي أسماه لينين “مرض اليسار الطفولي”. تاريخ الحزب يعرف التيارين وناضل ضدهما بضراوة، فالتيار اليميني ظهر أول ما ظهر في الدعوة لبقاء الحزب كتيار يساري في حزب الأشقاء والأحزاب اليسارية، ثم أختفى التيار بعد محاولة قصيرة للتنظيم تحت اسم الجبهة ا لوطنية، فعاد للظهور بمجرد حدوث انقلاب 17 نوفمبر، ثم أختفى وعبر عن نفسه بعد حل الحزب الشيوعي وبالتحديد في مؤتمر الجريف، ولم يختف وظل يقود عرقلة تنفيذ قرارات المؤتمر الرابع ودورات اللجنة المركزية خاصة تلك في مارس 1969، ثم ظهر علانية بعد انقلاب 25 مايو 1969 وأدى لانقسام سنة 1970 بعد المؤتمر التداولي، ثم عاد للظهور بعد انقلاب 1989 وانهيار المعسكر الاشتراكي وأدى لخروج الخاتم وبعض الزملاء في التسعينات.

أما التيار اليساري فقد ظهر في عام 1963 وأدى لانقسام ما سمي بالقيادة الثورية والتي كانت ترفض النضال السلمي وخط الحزب الداعي لإسقاط نظام عبود عبر الاضراب السياسي العام، ثم في قمة الصراع ضد التيار اليميني ظهر تيار صغير يدعو لما يسمى بحزب العمال والفلاحين، وخرج عن الحزب وكون حزب العمال والفلاحين ولكنه ظل حزب الرجل الواحد {مختار عبيد}.

وها نحن الآن نرى حراك، المكونة من 14 عضوا، ولا نعرف إذا كانوا أعضاء في الحزب أم خارجه، أم تجمع بين الإثنين، وهي تدعو لخط يساري يريد إقامة ديكتاتورية البروليتاريا ويسمي خط الحزب بأنه إصلاحي. وقد نشروا أكثر من بوست ولكن يهمني هنا البوست الذي نشر عن التحليل والنقد والسياسة الاقتصادية.

السِؤال الأساسي الآن: ثورة وطنية ديمقراطية أم ثورة اشتراكية
يبدو أن خط حراك هو ” لا بديل عن بناء حزب لينيني ثوري يقود الطبقة العاملة والفلاحين في معركة تحطيم جهاز الدولة البرجوازية وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا. كما أكدت روزا لوكسمبورغ: «الذين يختارون الإصلاح بدلاً من الثورة يختارون هدفاً آخر تماماً».

الاختيار واضح: إما الثورة الاشتراكية، وإما تكييف لا نهائي مع الرأسمالية. خطاب كبلو يمثل المسار الثاني بلباس الأول، وواجبنا الثوري فضح هذه الخدعة الإيديولوجية.”

لاحظ انهم يستعملون كلمة الفلاحين التي يستعملها المشارقة ولا نستعملها في السودان مما يشير تأثرهم بالنقل من الكتب دون ربط ذلك مع الواقع السوداني، وسنعود لبناء الاشتراكية في نهاية المقالات.

لنتفق الآن بأن الخط التنظيمي للحزب الشيوعي السوداني يقوم على بناء حزب لينيني ثوري يقود الطبقة العاملة والمزارعين وكل الكادحين، وقد ظل هذا هو خطه التنظيمي من المؤتمر الثاني للحزب في مطلع الخمسينات وفي المؤتمر الثالث في 1956 والمؤتمر الرابع في عام 1967 وفي المؤتمر الخامس 2009 {مع شوية تراجع عن اللينينية) والمؤتمر السادس للحزب في 2013
الحزب منذ اجتماع اللجنة المركزية في مارس 1953 الذي ناقش الموقف اليساري الخاطئ من اتفاقية الحكم الذاتي فبراير 1953، قد قرر أنه لن ينقل تجارب الآخرين ولن ينقل من الكتب الماركسية، بل يستعمل المنهج الماركسي لدراسة الواقع الملموس في السودان وفي المنطقة والوضع الدولي لاستخلاص نظرية الثورة السودانية، وظل أمينا لذلك الموقف حتى الآن، فهو يطرح نظرية الثورة السودانية التي تهدف لاستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي تفتح الطريق للاشتراكية.

تكتيك الحزب الأساسي هو إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية وفق النضال السلمي الديمقراطي عبر تنظيم الجماهير و بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية والانتفاضات الشعبية والاضراب السياسي والعصيان المدني وإن البنود الأساسية في برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية تشمل الاستقلال الاقتصادي وتحرير البلاد من التبعية وإنجاز الإصلاح الزراعي عبر ثورة زراعية تحرر جماهير الريف واحداث ثورة صناعية وثقافية وتعليمية وصحية تنهض على أساس التنمية المتوازنة وتحترم حقوق المواطنين السودانيين وإقامة الحكم اللامركزي المدني الديمقراطي، وأثناء النضال من أجل سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية، يناضل الحزب مع فصائل الجبهة الديمقراطية لتحقيق أكبر مكاسب للشعب، على أن الإنجاز الكامل لمهام تلك الثورة لن يتم إلا بسلطة وطنية ديمقراطية.

ينتهج الحزب خلال النضال الوطني الديمقراطي التكتيكات المرنة ويدخل في تحالفات مؤقتة من أجل تأسيس الحكم المدني الديمقراطي الذي يفتح الطريق لجماهير شعبنا لبناء منظماتها الجماهيرية الديمقراطية وبناء جبهتها الوطنية الديمقراطية.

إن التكتيكات المرنة يحددها تحليل الواقع الملموس، توازن القوى الطبقية المتصارعة والتعبير السياسي والاجتماعي والثقافي (الأيديولوجي) وفي كل هذه التكتيكات التي يضعها و يتبعها الحزب يراعي الحزب تطور الوطن ومصالح الطبقة العاملة والمزارعين والطبقات الفقيرة، ويبني التحالفات والجبهات المؤقتة وفقا لذلك، بينما يستمر في بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية.

ينطلق الحزب من واقع بلادنا حيث التعددية الإثنية والثقافية في واقع تطور اقتصادي واجتماعي غير متوازن، واقتصاد تابع للسوق الرأسمالي العالمي، حيث أضعفت ثلاثين سنة من حكم الطفيلية، الطبقة العاملة والمزارعين واضعفت تنظيماتهم، بل أضعفت وأفلست حتى أصحاب المصانع والتجار التقليديين.

انطلق الحزب بعد الثورة لتحقيق:

• تصفية دولة 30 يونيو 1989 في الدولة (خدمة مدنية وقوات مسلحة وجهاز امن وقوات شرطة)،
• استكمال أجهزة ومؤسسات الدولة البرلمانية المدنية الديمقراطية من سلطة تنفيذية وتشريعية ومجلس رئاسة ومفوضيات
• تصفية اقتصاد الطفيلية واجراء اصلاح اقتصادي عميق يفجر موارد وطاقات البلاد ويكفل حياة كريمة لمواطنيه؛
• إعادة تنظيم أجهزة العدالة من قضاء ونيابة عامة، بحيث يتم تصفيتهما من الفاسدين وأعوان النظام السابق وكفالة مهنية واستقلال الجهازين.
• اكمال العدالة الانتقالية بمحاكمة قادة انقلاب 30 يونيو ومرتكبي جرائم التعذيب والقتل الجماعي والفردي وقتلة الشهداء ومجرمي حرب دارفور وتسليم المطلوبين للعدالة الدولية وكل ذلك يمهد لتنفيذ برنامج للمصارحة، والاعتراف، والعفو والمصالحة.
• وتصفية الميلشيات العسكرية لصالح جيش سوداني موحد ذي عقيدة قائمة على احترام الدستور والدفاع عن البلاد والبعد عن العمل التجاري والاستثماري، والسياسي.

• تصفية جهاز الأمن وإلغاء قانونه وانشاء جهاز للأمن العام تابع لمجلس الوزراء
إن الحزب في سعيه لتحقيق المطالب أعلاه لم يدع لديكتاتورية البروليتاريا او اقامة الاشتراكية، بل أنه بسعيه كان يريد إقامة نظام مدني ديمقراطي، يتم فيه برنامج للإصلاح الاقتصادي بعيدا عن برنامج الرأسمالية الطفيلية الإسلامية وغير الإسلامية، بل برنامج يهدف لتصفية الرأسمالية الطفيلية وتجفيف منابعها.

إن الشعارات اليسارية المتطرفة هي شعارات اختيار العزلة والجلوس على رصيف شارع الثورة معلقا وناقدا عاما، وليس مناضلا مع الجماهير حول برنامج يمكن تنفيذها لتحقيق مصالح المواطنين الآنية ومقاومة البرامج التي يؤدي تنفيذها لإلحاق الضرر بمصلحة الجماهير والوطن.

[email protected]

تعليق واحد

  1. جميل جدا أن يلجأ صدقي كبلو للراكوبة لمحاورة المخالفين في الرأي
    منك ومنهم ومن حوار يشارك فيه كثيرون نستفيد
    ركز علي إمهات القضايا وخليك من الفرعيات
    اليسار في أزمة وما في أي حل سوي هذه الحوارات التي أتمني أن تثمر وعيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..