مقالات وآراء

في فلسفة الغياب: الوالدة ستونا… سيرةُ دفءٍ لا يزول

الحزن ليس انكساراً عارضاً في مجرى الزمن، إنّه لحظةُ وعيٍ كثيف، تتجلّى فيها هشاشة الإنسان أمام سرّ الفقد.
في الغياب تتبدّل المقاييس؛ يغدو الأثر أصدق من الجسد، والذكرى أرسخ من الحضور.
نتعلّم أن الذين نحبّهم لا يرحلون دفعةً واحدة، بل يتحوّلون إلى طبقةٍ عميقة في وعينا، يسكنونها كما يسكن الضوء في أعماق الماء.
هناك، في تلك المنطقة الصامتة من الروح، يستمرّون حضوراً خفياً، لا تبلغه يد الفناء.
في هذا الأفق يُستعاد اسم الوالدة ستونا، لا بوصفه اسماً في سجلّ الراحلين، إنّما بوصفه معنىً متجذّراً في الذاكرة، وخلقاً متجسّداً في السلوك، وأثراً لا ينقطع.
عرفتها في سنوات التكوين الأولى، أيام الدراسة الثانوية في كوستي، في بيت الوالد مصطفى عباس ، كان ذلك البيت فضاءً رحباً، غير أنّ رحابته الحقيقية كانت في روحه.
استقبلتنا، نحن أصدقاء ابنها معتصم، بوجهٍ تفيض منه الطمأنينة، وبأريحيةٍ تجعل الداخل يشعر أنّه يعود إلى مكانٍ يعرفه منذ زمن.
لم يكن في استقبالها تكلّف، ولا في حديثها تصنّع؛ كان كل شيءٍ يصدر عنها عفو الخلق، صادق النبرة.
ثم انتقلت الأسرة إلى الحلة الجديدة في الخرطوم، فانتقل المكان وبقي الجوهر.
ظلّ بيتها مع الوالد مصطفى بيتاً مفتوحاً، تتلاقى فيه الوجوه، وتتكوّن فيه صداقات، وتُنسج فيه خيوط الفعل الاجتماعي قبل السياسي.
لم يكن البيت جدراناً تؤوي أسرةً وحسب، كان مساحةً حية للحوار، ومأوىً للرفقة، وملتقىً يتدرّب فيه الشباب على معنى الجماعة والانتماء.
في ذلك البيت تعلّمنا أن الصداقة مسؤولية، وأن الاجتماع على الخير قيمة، وأن للبيوت أدواراً تتجاوز خصوصيتها إلى أثرٍ عام.
كانت والدتنا ستونا تدير ذلك الفضاء بحكمةٍ هادئة.
حضورها يضبط الإيقاع دون صخب، ويمنح المجلس اتزانه دون تدخّلٍ ظاهر.
تعرف كيف تجعل من الضيافة ثقافة، ومن اللقاء مناسبةً لتعميق الروابط، ومن البيت مركز إشعاعٍ اجتماعي يتجاوز حدوده المادية.
كانت ترى في تجمع الأصدقاء طاقةً إيجابية ينبغي رعايتها، فتهيّئ المكان، وتستقبل الجميع بروحٍ واحدة، وتغرس فينا إحساساً بأننا ننتمي إلى دائرةٍ أوسع من ذواتنا الفردية.
وثلاجتها، في انتظامها الدقيق، كانت صورةً مكثفة لعقلها المنظّم.
كل شيءٍ في موضعه، وكل حاجةٍ محفوظة بميزانٍ من اعتدال.
لم يكن النظام عندها ترفاً شكلياً، إنّه احترامٌ للنعمة، ووعيٌ بقيمة الأشياء، وإدراكٌ أن الاستقرار يبدأ من التفاصيل الصغيرة.
في ترتيبها للأشياء درسٌ صامت في الاقتصاد الرشيد، وفي حسن التدبير، وفي صون الكرامة من الفوضى.
كانت امرأةً تُربّي بالفعل قبل القول، وتبني القيم من خلال الممارسة اليومية.
في نظرتها حنانٌ يعيد للمرء ثقته، وفي صمتها حكمةٌ تتجاوز الكلمات.
من بيتها خرجنا ونحن نحمل أكثر من ذكريات؛ خرجنا ونحن نحمل تصوراً عن معنى البيت، وعن دور المرأة في صناعة المناخ الأخلاقي، وعن الكيفية التي يتحوّل بها الفضاء الخاص إلى قيمةٍ عامة.
رحلت ستونا، غير أنّ الغياب هنا ليس انقطاعاً، إنّه تحوّل.
تحوّلت إلى ذكرى مضيئة، وإلى معيارٍ نقيس به رقيّ السلوك، وإلى صورةٍ حيّة للكرم المنظّم، وللخلق الذي يعمل في صمت.
رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ما بثّته من دفءٍ وانفتاحٍ وأثرٍ اجتماعي نوراً يسبقها، كما سبق حضورها إلى قلوبنا فاستقرّ فيها استقرار المعاني الخالدة.
التعازي موصولة لمعتصم ، مديحة ، مها ، منى ،مناهل و مواهب .

تعليق واحد

  1. احسنت نعي سيدة سودانية ،تمثل غالب نساء البلاد! واهبةالخياة،بل صانعة الحياة!
    امرأة مع رجل رفيق ،بناة الحضارة في بلادنا و حراسها…فلهم عاطر الثناء والمحبة والشكر علي ما قدموا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..