مقالات وآراء

إحياء النشاط السياسي داخل السودان

د. الشفيع خضر سعيد

إثر اندلاع الحرب، معظم القيادات المدنية والسياسية، باستثناء البعض، انتقلت بالفعل السياسي والمدني إلى خارج البلاد، في حين تؤكد التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن العمل السياسي الحقيقي لا يزدهر إلا في قلب الوطن، بين الناس، وعلى أرض الواقع. وأن محاولات ممارسة النشاط الحزبي والسياسي من خارج البلاد، مهما حسنت النوايا ومهما كانت التبريرات، ستظلّ محدودة الأثر، وبعيدًة عن نبض الشارع، ومعرّضًة للارتهان لتوازنات لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية. ولعل أكبر أزمة تواجه القيادات الحزبية المستقرة في الخارج ليست فقط ضعف التنظيم، بل فجوة التأثير على الأرض. فهناك الفجوة الميدانية، حيث الفاعلون الحقيقيون اليوم داخل السودان هم من يقدمون الخدمات المباشرة للمواطن في شكل إغاثة، وإسعاف، وتنظيم مجتمعي. وفجوة الخطاب، حيث المواطن المنهك بالحرب يريد الأمن والغذاء قبل الشعارات الكبرى. وفجوة الثقة، حيث كثير من الناس يرون أن النخب السياسية ساهمت، بصورة أو بأخرى، في ما آلت إليه البلاد من انهيار. إن السياسة ليست مجرد بياناتٍ تُصاغ في المنفى، ولا مواقف تُعلن عبر الشاشات، بل هي تفاعل يومي مع الواقع، وبناء ثقةٍ متدرّج مع المواطنين. ومن دون الحضور الميداني، والقدرة على التنظيم، والتواصل المباشر مع الجماهير، يفقد العمل السياسي شرعيته وقوته.
وإذا كان لابد من خروج القيادات السياسية والمدنية، مع اتساع دائرة القتال، حفاظا على الأرواح، فاليوم آن أوان الهجرة العكسية، ودعوتي المباشرة للقوى الحزبية والمدنية أن تتحدى الظروف وتقاوم أي محاولات لمحوها أو تدجينها وتنتقل بنشاطها ومقارها الرئيسية إلى داخل السودان، وطبعا هذا لا يعني التخلي عن نشاطها الخارجي. صحيح الحرب بتداعياتها السالبة والخطيرة تجعل هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، في ظل عسكرة المجال العام وتصاعد نفوذ القوى العسكرية والميليشيات على حساب القوى المدنية، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات أمنية أو تخوينية. وحيث يتم تضييق المساحات المتاحة للنشاط الحزبي والعمل الجماهيري، الاعتقال والتهديد المباشر للناشطين والسياسيين، وصعوبة الحركة الميدانية وعقد الاجتماعات.

غرف الطوارئ جسّدت في أوقات الحرب والانهيار المؤسسي نموذجًا رفيعًا للتكافل المجتمعي، حين تولّت مهام الإغاثة، وتوفير الغذاء والدواء، وتنظيم الدعم للمتضررين

ومن المخاطر أيضا، إنهيار مؤسسات الدولة وتعطل القضاء وصعوبة تنظيم عمل سياسي مؤسسي في ظل غياب دولة فاعلة، بالإضافة إلى الاستقطاب الحاد وانقسام المجتمع بين روايات الحرب المختلفة، وتوظيف الخطاب العاطفي والجهوي، وصعوبة بناء تحالفات عريضة في ظل الشكوك المتبادلة، فضلا عن تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية وانشغال المواطن بتأمين احتياجاته الأساسية، وتراجع اهتمامه بالشأن السياسي لصالح البقاء اليومي. هذه التحديات والعقبات جدية وتهدد إحياء النشاط السياسي والحزبي داخل السودان، ويمكن أن تشل حركته إذا استسلم ولم يقاوم. ولكن، الأصل في العمل السياسي المقاومة والتضحيات وعدم الاستسلام، خاصة مع توفر العديد من الفرص التي تعزز إمكانية عودة العمل السياسي داخل البلاد، ومنها: تآكل شرعية السلاح كأداة حكم، وأن استطالة أمد الحرب تؤدي إلى إنهاك المجتمع وخلق رغبة واسعة في حل سياسي مدني، مما يفتح المجال أمام قوى تقدم خطاباً عقلانياً وسلمياً. أيضا بروز فاعلين مدنيين جدد يمكن أن يشكلوا نواة عمل سياسي حديث، وتحديدا نعني لجان المقاومة، والمبادرات المحلية، وغرف الطوارئ، إضافة إلى القيادات المجتمعية التي نشأت خارج الأطر الحزبية التقليدية. ومن زاوية أخرى، تفرض الحرب أسئلة جوهرية حول شكل الدولة، مركزية أم لا مركزية؟، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، العدالة الانتقالية والمحاسبة…، وكل ذلك يفتح المجال لصياغة برامج سياسية جديدة أكثر واقعية. كما أن الاهتمام الإقليمي والدولي بإنهاء النزاع قد يخلق مسارات تفاوضية تلعب فيها القوى المدنية دورا رئيسيا إذا كانت موحدة ومنظمة. لكن، العامل الحاسم بالنسبة لفرص العمل السياسي داخل البلاد هو التنظيم والرؤية. ففي ظل عسكرة السياسة، لا يكفي الخطاب الأخلاقي، بل لابد من تنظيم محكم ومرن، شبكات لا هياكل هشة، وبرنامج واضح يجيب على سؤال: كيف تتوقف الحرب وماذا بعد الحرب؟، وخطاب غير إقصائي يقلل الاستقطاب، وبناء تحالفات عابرة للجهويات والأيديولوجيات.
لقد كشفت الحرب عن هشاشة البنية الحزبية التقليدية، مقابل صعود فاعلين مدنيين جدد، خاصة لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية، الذين حملوا عبء الاستجابة الإنسانية في غياب الدولة. هذه المنظمات القاعدية تمثّل أحد أهم تجليات الوعي الشعبي والتنظيم الذاتي في السودان المعاصر. فهي نشأت من رحم شوارع الأحياء، ومن معاناة المواطنين اليومية، وحملت همومهم بصورة مباشرة وصادقة. ولجان المقاومة لم تكن مجرد أداة احتجاج، بل كانت مدرسةً في الديمقراطية الشعبية، ومختبرًا لتجربة القيادة الجماعية، وصوتًا للشباب الذي أعاد تعريف السياسة باعتبارها خدمةً للشأن العام. أما غرف الطوارئ، فقد جسّدت في أوقات الحرب والانهيار المؤسسي نموذجًا رفيعًا للتكافل المجتمعي، حين تولّت مهام الإغاثة، وتوفير الغذاء والدواء، وتنظيم الدعم للمتضررين. إن إدماج هذه المنظمات في مشروع سياسي وطني، دون احتوائها أو تذويب استقلاليتها، يُعدّ ضرورةً لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمع. فهي ليست كيانات هامشية، بل هي رصيدٌ استراتيجي لأي عملية انتقال ديمقراطي حقيقية.
السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة بناء المجال العام من الداخل، وإحياء الروح المدنية التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر/كانون الأول، وذلك عبر صناعة البدائل الفعالة. وهي بدائل لن تُصنع في الخارج، مهما تعاظم الاهتمام الدولي، بل في أحياء السودان ومدنه وقراه، عبر تنظيمٍ قاعديٍ واعٍ، وقيادةٍ متجددة، وتحالفٍ مدنيٍ واسع، ومشروعٍ وطنيٍ جامع يحمي وحدة البلاد ويصون كرامة مواطنيها. والعمل السياسي داخل السودان ليس خيارًا سهلاً، بل هو طريقٌ محفوف بالمخاطر والتضحيات، لكنه الطريق الوحيد القادر على إحداث التغيير الحقيقي. صحيح، الخارج قد يوفر دعمًا أو مساندة، لكنه لا يمكن أن يعوّض غياب الجذور، لأن السياسة حين تتجذر في المجتمع، وتنبع من إرادته، فإنها تصبح قوةً لا تُقهر، وأملاً لا ينطفئ.

القدس العربي

تعليق واحد

  1. بناءً على مبادئ “ميثاق البناء والتعافي” ومرتكزاته التي صغناها (شرعية الإنجاز، القيادة الفنية، والمسار القاعدي)، يمكن نقد المقال كأنه “مرآة” تكشف نقاط القوة ومواطن النقص في الخطاب السياسي الحالي:
    1. نقد المرجعية السياسية مقابل “شرعية الإنجاز”
    * المقال: يركز على “إحياء الروح المدنية لثورة ديسمبر” و”العمل السياسي”.
    * نقد الميثاق: يرى الميثاق أن الاستغراق في “السياسة” و”الثورة” كمصطلحات مجردة قد يعيق التعافي. مبدأ الميثاق هو تجميد الصراع السياسي لصالح القيادة الفنية (التكنوقراط). المقال يتحدث عن “طريق محفوف بالمخاطر”، بينما يرى الميثاق أن الطريق يجب أن يكون محفوفاً بـ “الحلول والخدمات”.
    * النتيجة: المقال لا يزال يدور في فلك “الشرعية الثورية”، بينما يطرح الميثاق “شرعية الإنجاز” كبديل وحيد لعبور محنة الحرب.
    2. النظرة للقاعدة (التحالف المدني vs مجالس أهل الصلاح)
    * المقال: يدعو إلى “تنظيم قاعدي واعٍ” و”تحالف مدني واسع”.
    * نقد الميثاق: يرى الميثاق أن مصطلح “تحالف مدني واسع” غالباً ما ينتهي إلى محاصصات حزبية فوقية. الميثاق يطرح “مجالس أهل الصلاح” كبديل مهني واجتماعي، لا سياسي.
    * الفارق الجوهري: المقال يبحث عن “مشروع وطني” (فكرة)، بينما الميثاق يبحث عن “إدارة موارد الحي” (ممارسة). المقال يخاطب “الوعي”، والميثاق يخاطب “الحاجة والخدمة”.
    3. معضلة الخارج والداخل (غياب الجذور)
    * المقال: أجاد المقال جداً في تأصيل فكرة أن “الخارج لا يعوض غياب الجذور”، وهذا يتسق تماماً مع الميثاق.
    * نقد الميثاق: الميثاق يذهب أبعد من ذلك؛ فهو يرى أن “الجذور” ليست فقط في التواجد الجغرافي، بل في “الفاعلية”. الجذور في الميثاق هي (الموية، الدوا، الكهرباء، تطييب الخواطر). المقال يعتبر السياسة التي تنبع من الإرادة “قوة لا تقهر”، والميثاق يعتبر الخدمة التي تنبع من الكفاءة “واقعاً لا ينكره عدو ولا صديق”.
    4. القيادة المتجددة vs القيادة الفنية
    * المقال: ينادي بـ “قيادة متجددة”.
    * نقد الميثاق: كلمة “متجددة” قد تعني وجوهاً سياسية جديدة. الميثاق أكثر تحديداً، فهو يطالب بـ “قيادة فنية/تكنوقراط” (حكومة المهمة). النقد هنا أن المقال يترك الباب موارباً للسياسيين، بينما يوصد الميثاق الباب أمامهم في المرحلة الانتقالية ليتفرغ “الشُطّار” للإعمار.
    الخلاصة :
    المقال يعبر عن “الأمنية السياسية”، بينما الميثاق يعبر عن “الضرورة التنفيذية”.
    المقال يضع “السياسة” كقاطرة للتغيير، بينما يضع الميثاق “البناء الفني والتعافي المجتمعي” (تطييب الخواطر) كقاطرة تسبق السياسة، لأن السياسة في مجتمع ممزق بالحرب قد تزيد الانقسام، أما “الخدمة” فهي توحد الجميع.
    نقطة الاتفاق الكبرى: كلا الخطابين يتفقان على أن “الحي والحارة” هما مركز الثقل، وأن أي حل يهبط من “الباراشوت” الدولي هو حل محكوم عليه بالفشل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..