مقالات وآراء

المعلمون ضمير الوطن الحي

بقلم: حسن عبد الرضي

ليس بيان لجنة المعلمين السودانيين اخير مجرد كلمات مكتوبة في ورقة، بل هو صرخة ضميرٍ في وجه ظلمٍ طال أمده، واستهانةٍ مستمرةٍ بأشرف مهنة عرفتها البشرية. إن المعلم السوداني الذي ظلّ واقفًا على جمرة الصبر سنواتٍ طويلة، يعلّم أبناء هذا الشعب في أقسى الظروف، لم يعد يقبل أن يُعامل كرقمٍ هامشي في ميزانياتٍ عرجاء، أو كفئةٍ يمكن تأجيل حقوقها إلى ما لا نهاية.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل إداري في توزيع المرتبات، بل هو اختلالٌ أخلاقي في ميزان الدولة نفسها. فالدولة التي تُكرم القوة وتُهين المعرفة، وتُغدق على السلاح وتُضيّق على العقل، إنما تقوّض أساسها بيدها. فالمعلم ليس موظفًا عادياً في ماكينة الدولة، بل هو صانع العقول، وباني الإنسان، ومهندس المستقبل.

لقد آن الأوان أن يقول المعلم السوداني كلمته واضحةً لا لبس فيها: لسنا عبيدًا في بلاط الإهمال.
أيها المعلمون في كل مدن السودان وقراه، من الفاشر إلى بورتسودان، ومن عطبرة إلى الأبيض، إن قضيتكم لن يحملها أحد عنكم إن لم تحملوها أنتم بأيديكم. فالحقوق في تاريخ الشعوب لم تُمنح يومًا منحةً من سلطةٍ راضية، وإنما انتُزعت انتزاعًا بإرادة أصحابها وصبرهم ووحدتهم.
إن المعلم الذي يقف اليوم في فصله وهو جائع، أو قلق على قوت أطفاله، أو عاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة، لا يمكن أن يُطلب منه أن يبني أجيالًا واثقة بالمستقبل. كرامة المعلم ليست رفاهيةً، بل هي شرطٌ أساسي لبقاء التعليم نفسه.
ولهذا فإن بيان لجنة المعلمين يجب أن يكون بداية مرحلةٍ جديدة، لا مجرد احتجاج عابر. مرحلةٌ ينهض فيها المعلمون صفًا واحدًا، بعيدًا عن الخوف والتردد، متمسكين بحقهم المشروع في حياةٍ كريمة.
أيها المعلمون الماسكين على الجمرة،
أمسكوا قضيتكم بأيديكم.
وحدتكم هي قوتكم.
وصوتكم حين يجتمع يصبح قوةً لا يمكن تجاهلها.
لا تنتظروا أن يمنحكم أحدٌ كرامتكم.
فالكرامة لا تُهدى، والحقوق لا تُستجدى، بل تُنتزع انتزاعًا.
إن شرف المعلم الحقيقي ليس فقط في تعليم الحروف، بل في الدفاع عن الحق والعدل. وإذا نهض المعلم السوداني اليوم ليطالب بحقوقه، فإنه لا يدافع عن نفسه وحده، بل يدافع عن مستقبل السودان كله.
فحين ينتصر المعلم لكرامته، ينتصر الوطن لكرامته.
المعلمون ليسوا زوائد في خريطة الدولة…
بل هم القلب الذي إن توقف، توقفت الحياة في جسد الوطن.

حسن عبد الرضي الشيخ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..