مقالات وآراء
انطباعات حول مشروع كتاب مدن الإنسان: كيف غيّرت السيارات المدن؟ للمهندس عثمان الطيب
د. أمجد إبراهيم سلمان

تعرفت على الصديق عثمان الطيب بعيد التحاقه بهيئة الأشغال العامة في قطر في العام 2015 قادماً إليها من السودان بعد أن أمضى مدة 8 سنوات في وزارة البنية التحتية و النقل في السودان ، ما بين سبتمبر 2007 و فبراير 2015 ، و تشير سيرته الذاتية أنه تخرج بدرجة البكالوريوس من كلية الهندسة المدنية في جامعة أمدرمان الإسلامية في العام 1997 و تابع تحصيله العلمي بدرجة الماجستير في إدارة المشاريع الهندسية من جامعة برادلي ، مدينة بيوريا في ولاية إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 2003 ، و أكتسب خبرة عملية في مشاريع كبرى في أمريكا ، و من بين الأمور التي لفتت انتباهه لإشكاليات تصميم المدن في وقت مبكر أنه ساهم في تشييد طريق سريع في ولاية فيرجينيا في أمريكا، وأدى نجاح ذلك الطريق إلى زيادة كبيرة في الوقت الذي كان يمضيه في الحركة بين جانبي الطريق الذي شكل نهراً اسفلتياً عملاقًا بين أحياء المدينة التي كان يشقها جيئة و ذهاباً يومياً ، و لمس كاتبنا الأريب ذلك بالتجربة فأشعل فيه شغفه بحميمية المدن و أهمية تصميمها.
يأتي كتاب (مدن الإنسان) للمهندس عثمان الطيب ضمن الكتب القليلة في المكتبة العربية التي تتناول مسألة العمران الحديث من زاوية إنسانية حضارية ، لا من زاوية هندسية تقنية فحسب. فالكاتب لا ينشغل بوصف المباني والطرقات بقدر ما ينشغل بالسؤال الأعمق: كيف تؤثر المدينة في الإنسان؟ وكيف يعيد الإنسان تشكيل مدينته؟ وهي الفكرة التي يلخصها الاقتباس الذي يستفتح به الكتاب وهو للمعماري الدنماركي الشهير جان جيل “نحن نشكّل المدن، ثم تعود المدن لتشكّلنا” ، و الجدير بالذكر أن زوجة هذا الأخير و هي أخصائية نفسية هي التي لفتت نظره لمسألة عدم حميمية الأمكنة تلك.
ومنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه أمام عملٍ يتجاوز مجرد النقد العمراني ليصل إلى تأمل فكري في مصير المدينة الحديثة. فالكاتب ينطلق من ملاحظة تبدو بسيطة لكنها عميقة الدلالة: إن بعض المدن تمنح الإنسان شعوراً بالراحة والانتماء، بينما تبدو مدن أخرى خانقة أو طاردة للسكان، رغم ما قد تمتلكه من ثراء مادي أو بنية تحتية متطورة. ويعزو المؤلف هذا التفاوت أساساً إلى طبيعة التخطيط العمراني الذي يشكّل حياة الناس اليومية ويؤثر في صحتهم وسلوكهم ورفاههم.
بسبب لقاءات الجمعة التي افردت لها مقالاً كاملاً من قبل ، و جل مرتاديها من المهندسين ، كانت الحوارات في تلك اللقاءات الصباحية الأسبوعية تتناول مسائل هندسية متعددة و من بينها تصميم المدن ، و كان لاهتمام الصديق عثمان بهذه المسألة آثار عميقة في إدارة النقاش ، حيث أورد مقولة الأديب الألماني هاينريش بول الحاصل على جائزة نوبل في الآداب للعام 1972 التي قال فيها ” لقد تعلمت في طريقي راجلاً إلى المدرسة أكثر مما علمتني المدرسة” ، و في ذلك كان كاتبنا المجيد يضيف ، أنه فهم هذه المقولة باستعادة تجربة ذهابه راجلاً من منزلهم في حي أبي روف (حي عريق في مدينة أمدرمان) إلى مدرسته الابتدائية في حي الملازمين و الأهلية المتوسطة ، و تقدر تلك المسافة بحوالي 4-6 كيلومترات.
أحد أهم محاور الكتاب هو نقد ما يسميه الكاتب «مدن السيارات»، وهو النمط العمراني الذي تشكل خلال القرن العشرين حين أصبحت السيارة الخاصة محور التخطيط الحضري. ويعرض المؤلف كيف أدى انتشار الطرق السريعة داخل المدن إلى تفكك النسيج العمراني التقليدي، حيث تحولت الشوارع من فضاءات اجتماعية يتلاقى فيها الناس إلى ممرات ضخمة لعبور المركبات بأقصى سرعة. ومع الزمن تراجعت أهمية المشي والنقل العام، ووجد الإنسان نفسه مضطراً إلى الاعتماد الكامل على السيارة حتى في أبسط شؤون حياته.
ويستعرض الكتاب في هذا السياق تجربة الولايات المتحدة، حيث أدى توسع الطرق السريعة إلى تفريغ المدن من سكانها وانتقالهم إلى الضواحي، بينما تحولت مراكز المدن إلى فضاءات معزولة تعاني من التدهور الاقتصادي والاجتماعي. ويشير الكاتب إلى أن هذه الظاهرة لم تبق محصورة في أمريكا، بل انتقلت كنموذج تخطيطي إلى معظم دول العالم، حتى أصبحت السيارة معياراً ضمنياً لتصميم المدن الحديثة. و قد أورد في ذلك السياق مقارنات لماحة بين مدن مثل ديترويت التي تسيطر في السيارة على المشهد و سان فرانسيسكو التي حرص القائمون على أمرها بأن يكون عمرانها صديقا للإنسان الراجل على قدميه.
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب ما يطرحه المؤلف حول «الدائرة الجهنمية للطرق السريعة»؛ إذ يبين أن توسيع الطرق لا يحل مشكلة الزحام كما يعتقد كثير من المخططين، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة عدد السيارات، ومن ثم عودة الازدحام بصورة أشد. وهذه الظاهرة التي يسميها خبراء التخطيط بـ «الطلب المستحث» تعني ببساطة أن الطريق الجديد يغري بمزيد من السيارات، فتتكرر الأزمة من جديد.
ولا يكتفي الكاتب بالنقد النظري، بل يقدم عدداً من الدراسات المقارنة لمدن مختلفة مثل فانكوفر وسيول وسنغافورة وطوكيو، موضحاً كيف استطاعت بعض هذه المدن الحد من أزمة المرور عبر تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وتعزيز وسائل النقل العام والمشي والدراجات. وفي المقابل يعرض أمثلة لمدن أخرى وقعت في فخ التوسع غير المنضبط في الطرق والجسور، فازدادت مشكلاتها العمرانية والبيئية ، كما بين أن سياسة تلك المدن كان تشجيع المواصلات العامة و في نفس الوقت وضع ضوابط و سياسات تحد من امتلاك السيارات الخاصة. مثل قائمة انتظار تصريح امتلاك السيارة الخاصة الذي قد يمتد لسنوات في سنغافورة أو ضرائب ساعات الذروة في وسط مدينة لندن.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في الكتاب هو تطبيق هذه الأفكار على المدن العربية، حيث يشير المؤلف إلى أن كثيراً من مشاريع التطوير العمراني في المنطقة تنفق مليارات الدولارات في الطرق والجسور، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة. فالمدينة، في نظره، ليست مجرد شبكة من الطرق بل نسيج اجتماعي وإنساني يقوم على التفاعل والحركة والتلاقي ، كما قدم نماذج عملية عن إحساس المرء الإيجابي وهو يتجول في سوق واقف في الدوحة وفي أزقة المدينة القديمة في الرباط أو القاهرة. و لم ينس مهندسنا عاصمة بلادنا الأثيرة الخرطوم فقدم لها حلول بسيطة ووفي متناول اليد بتصميم مسارات الباصات السريعة تأسياً بتجربتي مدينة كوريتيبا البرازيلية و مدينة بوغوتا الكولومبية و ما تحقق من نجاح في هاتين المدينتين بالتعاون الكبير بين السلطة التنفيذية و مهندسي الطرق و المواصلات.
ومن هنا يبرز مفهوم «المدينة الملائمة للإنسان» الذي يشكل جوهر أطروحة الكتاب. فالمدينة الناجحة ليست تلك التي تسمح للسيارات بالمرور بسرعة، بل تلك التي يستطيع الإنسان أن يعيش فيها بسهولة: يمشي إلى متجره القريب، ويصل إلى مدرسته أو عمله في دقائق، ويتحرك في فضاءات عامة آمنة ومريحة..
ويعيد الكاتب في هذا السياق الاعتبار إلى فكرة «الحيّ» أو «الحارة» باعتبارها الوحدة الأساسية للمدينة. فالمدينة الصحية هي التي تسمح لسكانها بتلبية معظم احتياجاتهم اليومية في نطاق قريب يمكن الوصول إليه سيراً على الأقدام خلال دقائق معدودة. وهذا النموذج العمراني، كما يذكّرنا المؤلف، كان سائداً في المدن التاريخية العربية قبل أن تتغير قواعد التخطيط تحت تأثير النموذج الغربي الحديث.
ومن زاوية فكرية أوسع، يطرح الكتاب سؤالاً مهماً: هل التقدم العمراني يعني بالضرورة التوسع في الطرق والسيارات؟ أم أن التقدم الحقيقي يكمن في تصميم مدن تحترم الإنسان ووقته وصحته؟ وهنا تكمن القيمة الفكرية للكتاب، إذ يدعو القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات التي اعتدنا عليها في تصورنا للمدينة الحديثة.
أسلوب الكاتب يتميز بالوضوح والسلاسة، ويجمع بين السرد التاريخي والتحليل الحضري والأمثلة الواقعية، مما يجعل الكتاب قريباً من القارئ غير المتخصص دون أن يفقد عمقه العلمي. كما أن الأمثلة التي يقدمها من مدن مختلفة تمنح النص بعداً مقارناً يثري الفكرة الأساسية ويجعلها أكثر إقناعاً. كما يتميز أسلوب الكاتب باستخدام تعابير حميمة مثل تعبير ” المدن الهضيمة” و استعارات لغوية بليغة مثل ” التصاميم القشيبة” و التي تزين النص دون تكلف أو تنطّع لغوي.
وفي تقديري أن القيمة الكبرى لهذا الكتاب تكمن في أنه يذكرنا بحقيقة بسيطة لكنها كثيراً ما تُنسى: أن المدينة خُلقت للإنسان، لا للسيارة. وعندما تختل هذه المعادلة، تبدأ المدينة في فقدان روحها تدريجياً، مهما بلغت درجة تطورها التقني أو ثرائها الاقتصادي.
إن كتاب «مدن الإنسان» ليس مجرد دراسة في التخطيط العمراني، بل هو دعوة للتفكير في شكل الحياة الحضرية التي نريدها لأجيالنا القادمة. وهو في الوقت نفسه تذكير بأن المدن التي صمدت عبر التاريخ لم تكن بالضرورة الأكبر أو الأغنى، بل تلك التي استطاعت أن تضع الإنسان في قلب عمرانها.
و من سياق الكتاب يستبين القارئ أن الكاتب قد زار مدنا عديدة حول العالم خاصة في أوروبا و أمريكا اللاتينية و منها بوينس أيريس عاصمة الأرجنتين و ريو دي جانيرو في البرازيل ، و في حديث خاص لي معه تبين أنه قد تجول في كولومبيا في مدن عديدة بجانب العاصمة بوغوتا ، و قد سافر في رحلة مكوكية بالباص عبر شوارع ضيقة في رحلة امتدت لأكثر من عشرة ساعات كي يتعرف بصورة أكثر على كولومبيا و ثقافتها و في حوار له مع أحد الكولومبيين حول خطورة الرحلة بالنسبة لشخص أجنبي تفرّس الرجل في ملامح عثمان قائلا ، ” أتعرف يا صديقي إنك تحمل ملامح عالمية بحيث إنك لو لم تتكلم لن يعرف أن شخص في أمريكا الجنوبية أنك لا تنتمي إلى ذلك المكان ، و يذكر صديقنا عثمان ذلك و يضحك ضحكته المجلجلة التي تملاء فراغات الأمكنة.
ولهذا يمكن القول إن هذا الكتاب يقدم إسهاماً مهماً في النقاش العربي و العالمي حول مستقبل المدن، ويدعو المخططين وصنّاع القرار والمثقفين على حد سواء إلى إعادة النظر في فلسفة العمران المعاصر، حتى تعود المدينة مرة أخرى مكاناً للحياة الإنسانية قبل أن تكون ممرّاً للسيارات.
و هنا تحضرني مقاطع لأغنية تراثية كتبها الشاعر خليل فرح تتغنى بمكانة الترام في الثقافة الشعبية السودانية حيث يقول المقطع:
من علايل أبروف للمزالق
قدلة يا مولاي حافي حالق
في الطريق الشاقيهو الترام ( الطريق الذي يعبر فيه الترام)
هل هي صدفة يا ترى أن تكون مراتع صبا كاتبنا الأريب هي علايل أبوروف أم أن التاريخ دائري لا يقبل الصدف؟
الله أعلم !!!!!



السلام عليكم
قضية تخطيط المدن من ألاهميه بمكان
ممكن إرسال نسخه من الكتاب