مقالات وآراء

الأدب السوداني الآن

يلاحظ في الآونة الأخيرة، ثمة اهتمام بالكتابة الإبداعية السودانية، خاصة الرواية، التي تعض بشدة على شغف القراءة، والكتابة على حد سواء، في أي مكان، مزيحة وجود الأنماط الأخرى مثل الشعر والمسرح والقصة القصيرة، بالرغم من أهمية تلك الأنماط، وأنها أقدم من الرواية، وفي كثير من الأحيان قد تكون أقدر للإفصاح عنها.

يلاحظ انتشار عدد من الفيديوهات، والبودكاست التي يتحدث فيها قراء أو متذوقين، أو محللين عرب، عن ما أسموه الرواية السودانية بعد الطيب صالح.
وطبعا قبل الحديث عن أي اسم يذكر في تلك التحليلات، لا بد من الحديث عن الطيب، والتذكير بأنه كان سدا منيعا أمام الكتاب السودانيين لسنوات طويلة، ولم يستطع الكثيرون الخروج من أسره إلا مؤخرا. وهنا يتم ذكر عدد محدود من كتّاب الرواية في السودان، والحديث عن بعض أعمالهم التي قد تكون محظوظة، ووصلت إلى القارئ العربي والأجنبي، بعد ترجمتها للغات أخرى. وأيضا حصول بعضها على جوائز لا بأس بها، بينما أغلب كتاب الرواية في السودان ما زالوا غير معروفين بالرغم من أهميتهم، وربما تفوقهم على أولئك المعروفين.
يعجبني أن يتحدث أحد عن الرواية السودانية، بكل تأكيد. الحديث عن تميزها من حيث المواضيع والتقنيات، وأنها تأخذ من الموروث العربي والأفريقي على حد سواء. لكن أيضا أتمنى حين يتم طرح هذا الموضوع، أن يكون ذلك بعد دراسته بدقة، حتى لا يظلم كتّاب هم قدموا ما عندهم، وممكن أن يقدموا أكثر، لو أن الفرص متاحة، والطريق التي يسيرون عليها ممهدة، على الأقل في أجزاء منها.
ونعرف كلنا طبعا أن الجوائز الأدبية من أهم الأدوات التي تمهد طرق الكتابة، وتجعل لها آذانا صاغية، وأي عمل يحصل على جائزة مهمة، أو يقترب منها، في القوائم النهائية، يحصد قراء بلا حصر، ويناقش في المنتديات ومجاميع القراءة المختلفة. وأجزم أن هناك قراء كثيرين، تعني القراءة عندهم ما يظهر في قوائم جائزة البوكر وكتارا والشيخ زايد، وبعض الجوائز الأخرى الخاصة ببلدان معينة، مثل جائزة ساويرس في مصر، وكنت كتبت عن ذلك وسميتها القراءة الموسمية.
الحديث عن الرواية السودانية لا بد أن يتضمنه حديث عن إبراهيم إسحق، ذلك الكاتب الجيد فعلا، والواعي بكتابته، والذي قدم روايات غاية في السحرية والغرائبية، مثل «حدث في القرية»، و«أعمال الليل والبلدة»، واخترع له عائلة من المهمشين ليكتب بإسمهم، عائلة عثمان. ويقول إبراهيم في شهادة له كنت حاضرا حين ألقاها في مبنى اليونسكو في الخرطوم، من ضمن لقاء معه، إنه لا يخترع شيئا، ولكنه مجرد «عرضحالجي»، يدون ما يزوده به المهمشون، إشارة إلى تلك الوظيفة التي كانت منتشرة خاصة أمام المحاكم، حيث يوجد مختصون يدونون الشكاوى للفقراء والأميين، لتعرض على المحاكم لقاء مبالغ بسيطة.
وهذا طبعا ليس صحيحا، فالكاتب المبدع ليس مدونا لحديث غيره، إنما هي صناعة حقيقية، تعتمد على الموهبة والثقافة والالتقاط، وتطوير الأفكار بعد ذلك. وللأسف فإن تجربة إبراهيم لا تذكر عربيا على الإطلاق، ولم يترجم له سوى فصل من رواية، صدر في كتاب عن الأدب العربي مرة، ولم يكن يدري، وفرح كثيرا حين أخبرته بذلك. ولعل إبراهيم نفسه لم يرد أن تعمم تجربته على قراء غير قراء وطنه، فهو يكتب بلغة صعبة، ولم ينشر في دار نشر خارج السودان أبدا.
الحسن بكري أيضا خارج الفيديوهات والبودكاست التي تؤرخ للرواية بعد الطيب صالح، بالرغم من كتابته المتميزة جدا، واستخدامه للتاريخ بطريقة عصرية جذابة، وشخصياته التي فيها الغرائبي والسحري، وخلقه مجتمعات من البشر والجن، وحتى الحيوانات. ومنذ روايته الأولى «أهل البلاد الشاهقة» ظهرت موهبته الكتابية، وتطورت تجربته في رواياته الأخيرة. ولا أفهم السر في عدم انتشار الحسن عربيا بالرغم من نشره لعدد من الروايات في دور نشر مرموقة مثل الدار العربية للعلوم في بيروت، ودار العين في مصر، وربما هو تواضع الكاتب الذي لا يسعى لينتشر، ويترك تجربته حرة، يصطادها من يشاء.
بثينة خضر مكي معروفة إلى حد ما، وهي موجودة عربيا، فقط أعمالها غير متوفرة بشدة، وأتمنى لو وسعت دائرة نشرها، فرواية «حجول من شوك»، التي استلهمت فيها التاريخ، وسيرة نصرة بنت عدلان إحدى الأميرات القديمات، تستحق أن تقرأ على نطاق أوسع. وقصصها القصيرة أيضا فيها المحلي واضحا، والاحتفاء بالتراث واضحا أيضا.
منصور الصويم كاتب مهم هو الآخر، وحتى عهد قريب نذكره بوصفه من الشباب الموهوبين، وقد كتب أعمالا مهمة فعلا، وصنع بصمته الخاصة منذ روايته الأولى «ذاكرة شرير»، التي ترجمت للفرنسية. لكن الانشغال باليومي والمعيشي، والآن النزوح والابتعاد عن الجوائز وغيرها من محفزات القراءة، أخّر من قراءته على نطاق واسع.
كثيرون في فن كتابة الرواية بعد الطيب صالح، وأنا شخصيا غير ملم بالجميع، ألتقي ببعضهم في معارض الكتب المختلفة، أرى تميزا هنا، وعدم تميز هناك، ومن المستحيل الكتابة عن الجميع، فقط تذكرة بأن الرواية بعد الطيب ليست هذا العدد البسيط من الأسماء الذي يذكر حين يود أحدهم الحديث عن الأدب السوداني، وأظن الآن توجد مجهودات مختلفة من شباب سودانيين، للتوثيق للأدب السوداني، ونشر أعمال بعض الراحلين ممن كتبوا ورحلوا في صمت.
طبعا لم أذكر الذين تظهر أسماؤهم في البودكاست، فهؤلاء باتوا معروفين جدا كما قلت، ويذكرون حين تُذكر الرواية السودانية مثل بركة ساكن، وحمور زيادة.

*كاتب من السودان

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..