حين يعيد البشير وحميدتي كتابة الإخوة كرامازوف.. يتكلم الشيطان بلهجة سودانية
م. معاوية ماجد

حين يتنفس الأدب من رئة الجحيم:
في القرن التاسع عشر، جلس فيودور دوستويفسكي يكتب الإخوة كارامازوف، كمن يصوغ نبوءة ويقذف بها في البعد الرابع.
لم يكن يعلم أن شخصياته ستهاجر بعد قرنٍ إلى الجنوب، لتسكن أرضًا أخرى، وتتكلم لغةً أخرى، وتعيد المشهد ذاته — لكن بأسماءٍ عربية، وبدمٍ أكثر سخونة.
فالمأساة لا تموت، إنها فقط تبدّل لهجتها.
وما كتب عن “الآباء والأبناء” في روسيا القيصرية، صار اليوم روايةً جديدة في السودان، حيث يتكرر الصراع بين العقل المسموم والسلطة العمياء، بين من يتفلسف باسم الله ومن يقتل باسمه.
إيفان كارامازوف وعمر البشير: حين يتكلم الضمير بوجهين
في إيفان كارامازوف، رأى دوستويفسكي صورة المثقف الذي غرق في الشك، يؤمن بعدل الله لكنه يرفض صمته، فيتحول إيمانه إلى لعنةٍ واحتراق.
وهكذا بدا عمر البشير في نسخته الواقعية: رجل يتحدث عن الشريعة بفكر خاو وثقافة ضحلة، بينما يبني عرشه من العظام.
كلاهما يخاف من ضوء الحقيقة.
في إيفان كارامازوف نرى المثقف الذي يرفض الله، لا لأنه لا يؤمن، بل لأنه يؤمن أكثر مما يحتمل. يشبه عمر البشير في تلك المفارقة المرّة: كلاهما يتحدث باسم “الحق” بينما يسكنه الجحيم. إيفان يتفلسف حول العدالة الإلهية، ثم يترك أخاه يرتكب الجريمة؛ والبشير يتحدث عن الشريعة والعدل، ثم يبارك الطغيان ويصلي فوق الركام. كلاهما يحتمي بخطابٍ أخلاقيٍ كثيفٍ يخفي تحته عفنًا متراكمًا من الخوف والغرور والعطش للسلطة.
إيفان كان يرى في “الشيطان” صديقه المتخيل، أما البشير فكان يتحدث باسم الله نفسه، يوزّع الجنة والنار على الناس كما يشاء. كلاهما عاش انفصامًا بين القول والفعل، بين العقل الذي يدّعي الصحو، واليد التي تغمس في الدم.
إيفان يكتب عن الفضيلة وهو عاجزٌ عن الفعل، والبشير يتحدث عن التقوى وهو يغمس يديه في الفساد.
كلاهما يمارس طقس التبرير، كأن الله محامٍ خاص للسلطة.
وفي النهاية، يصبح الإيمان مجرد قناعٍ سياسيٍ للشر، والعقل رهينة الخوف، والضمير آخر من يُستدعى إلى الطاولة.
سِمِردياكوف وحميدتي: ابنُ الظلّ الذي قتل الأب
في بيت كارامازوف، كان سِمِردياكوف الخادمَ المنسي، يعيش في الظل، لا اسم له إلا الصمت، ولا سلاح إلا الكره.
وحين سنحت له اللحظة، قتل الأب، ثم جلس في مكانه، كأن الدم مفتاح العرش.
تلك هي الحكاية نفسها في وجه حميدتي —
ذلك الذي خرج من هامش الفقر والرماد، فصار مركز القرار، يحمل البنادق بدلاً من الكتب، ويعلن أن الخلاص لا يأتي من السماء بل من فوهة السلاح.
حميدتي مثل سِمِردياكوف:
لا يؤمن بالأفكار، ولا يحتاج إلى المبررات، فالعنف عنده لغة، والسلطة عقيدة، والدم طريقٌ إلى الاعتراف.
كلاهما ابنُ نظامٍ فاسدٍ ربّاه على الطاعة، ثم خاف من طاعته حين تمرّد.
وفي هذا الانقلاب الدموي، تكتمل مأساة دوستويفسكي في نسخةٍ سودانيةٍ تكتبها البنادق بدلاً من الأقلام.
الآباء والأبناء: حين يتحول الوطن إلى بيت كارامازوف
كما كان بيت كارامازوف مسرحًا للجريمة والجنون، صار الوطن نفسه بيتًا كبيرًا يتقاطع فيه الأبناء المتصارعون، يقتل أحدهم الآخر باسم العقيدة أو القبيلة أو الثورة.
الضمير يغرق في ضجيج الخطب، والعقل يُنفى إلى المنفى، والروح تُدفن بلا صلاة.
لقد أصبحت السلطة لعنةً متوارثة —
يتقمص فيها كل جيل وجه الذي قبله، كأن البشير سلّم سيفه لحميدتي، وكأن الوطن لا ينجب إلا من يحمل جينات القتل ذاتها.
حين يعيد الجحيم كتابة نفسه:
ليست المقارنة هنا لعبًا أدبيًا، بل نبوءة. فـ”الإخوة كارامازوف” ليست رواية روسية، بل مرآة للبشر حين ينهارون. وما حدث في السودان ليس إلا إعادة صياغة لتلك المرآة في وجهٍ عربيٍ غارقٍ في الطين والدم.
إيفان يتفلسف، وسِمِردياكوف يقتل، والبشير يحكم، وحميدتي يواصل الرقص فوق الرماد
— وجوه مختلفة لنفس المأساة: الإنسان حين يبيع روحه للسلطة، ثم يتلو على الجثث صلاة الخلاص.
وفي النهاية، لا يبقى سوى صدى العبارة التي كتبها دوستويفسكي قبل قرن ونصف، وقالها بلسان الراهب أليوشا :
“كلنا مسؤولون عن كل شيء، أمام الجميع، إلى الأبد.”
لكن أحدًا لم يسمع، لا في روسيا ولا في السودان.
ففي كل مرةٍ نعيد فيها الحكاية، يتغير المسرح وتبقى الجريمة.
ففي بلادنا الضمير يغرق في ضجيج الخطب، والعقل يُنفى إلى المنفى، والروح تُدفن بلا صلاة، وما زال الجحيم هو “الشيطان الذي لا يفتر” و يتكلم بلهجة سودانية، يتقمص فيها كل جيل وجه الذي قبله، وتظل البلاد تبحث عن أبٍ لا يقتل أبناءه، وعن أبناءٍ لا يعبدون القاتل.
وتظل السلطة لعنةً متوارثة يحرسها الشيطان .. ما لم ..



