مقالات وآراء

للجم الغلاء والجبايات معاً (2)

د. محمد عبد القادر سبيل

ما أزال مقتنعاً بأن من سيقود إقتصاد السودان نحو رحاب الانفراج والنماء، ليس خبيراً إقتصادياً، وإنما هو “رجل مهدي” ننتظره، قلبه سليم من الهوى، وأوتي من البصيرة وحكمة الإدارة ما يجعله قادراً على مراوغة العراقيل الجمة بما يحوّل كل هذه التحديات إلى فرص، أو كما يقولون (يعمل من الفسيخ شربات).
أقول لمن يغالطني، كيف لا، ونحن في هذه الجاهلية من اقتصاد الظل المهيمن على معظم النشاط الاقتصادي (التهريب، شيوع السمسرة وطغيانها على العمل المنتج، هيمنة السوق الأسود على سعر العملة وأسعار السلع، اختفاء عائدات الصادر، المصانع التي تدار خفية وسط الأحياء السكنية، وفي المزارع، متنائية عن يد سلطات الصحة والترخيص المواصفات والجودة)، ومن تجليات الجاهلية الوطنية، تطبيع الفساد، وأحياناً شرعنته، فكأنما الرشاوى في دواوين الدولة باتت حقوقاً لا تستغرب.
وما قلنا إن بلادنا لا تحتاج الآن إلى خبراء اقتصاديين، بقدرما تحتاج إلى إداريين مهديين ذوي حكمة وعزيمة، إلا لأن معظم الخبراء باتوا مرتهنين لدوائر المصالح الاقتصادية أو السياسية، فهم إما يميلون كل الميل برأيهم إلى حزب أو تيار سياسي بعينه، أو أنهم يملكون نشاطاً اقتصاديا (بزنس) يتحاشون الإضرار به أو أنهم موظفون في شركات ذات نفوذ، ويخشون كسادها.
ما الذي يدفعني إلى هكذا ظن؟
أولاً هو ليس ظناً محضاً، فقد نما إلى علمي بيقين، جانب من هذا المفاد، وثانياً لا يمكن تفسير إصرار كل الخبراء الذين تسنموا وزارة المالية ووزارات القطاع الإقتصادي وحتى رئاسة مجلس الوزراء، على استمرار سياسة التحرير الإقتصادي، رغم عورها المبين، وفي بلد يقبع 70% من شعبه تحت خط الفقرالمدقع، وفيه باتت فئة لا تتعدى 0.1% من الشعب تشكل طبقة الرأسمالية الطفيلية المستفيدة من الخصخصة والتحرير، فما تزال تتردد بين الخرطوم ودبي والصين، لتهيمن بذلك على 99% من حصيلة التجارة الخارجية، وتحتفظ بها خارج خزينة بنك السودان، بما في ذلك عائدات المعادن النفيسة (الذهب)، وتهيمن على 99% من العملة الأجنبية وتضارب بها وتقرر أسعارها، وعلى 99% من الواردات الاستراتيجية التي تؤثر مباشرة على حياة المواطن وأمن البلاد، كالمحروقات والقمح والأدوية والمعدات ومدخلات الانتاج والبرمجيات، وقد وصلت الحال يوماً إلى أن تلجأ الحكومة – التى لا حول لها ولا قوة- إلى شراء الدولار من السوق الأسود صاغرة لقضاء حاجياتها بالخارج.
كل هذا وخبراء الإقتصاد يصرون على أن سياسة التحرير لا مندوحة عنها، فهي خيار العالم!.
إذاً فإننا نحتاج إلى قادة مهديين من الله عز وجل، على بصيرة، وعلى حب حقيقي للوطن والمواطن، بعيدا عن الرهانات والارتهانات السياسية، حتى يتحقق الاختراق المطلوب كما يلي:
1/ إلغاء سياسة التحرير الاقتصادي جذرياً، وإدانتها، فهي أس البلاء، واستبدالها بسياسة الاقتصاد المختلط الذي يمنح فيه القطاع الخاص حقه في حرية العمل المشروع والعادل والمنطقي بما لا يضيع حقوق الدولة والشعب كما هو ماثل الآن.
2/ إلغاء كافة عقود التنقيب المجحفة مع الشركات الأجنبية والمحلية العاملة في مجال الذهب.
3/ إعادة هيكل الإقتصاد عبر انشاء (مؤسسة التجارة السيادية)، لتكون مسؤولة عن احتكار تصدير ست فئات من السلع النقدية احتكاراً تاماً وهي: الذهب والمعادن الأخرى، المنتجات الحيوانية بأنواعها،الحبوب الزيتية بأنواعها، الصمغ العربي، القطن، الذرة.
على أن تتاح عشرات السلع الأخرى للقطاع الخاص حتى يمارس دوره شريطة الألتزام التام يتوريد حصائل الصادر في بنك السودان دون شروط، وإلا فتتولى مؤسسة التجارة السيادية ما يتم التقاعس عنه إذا كان ضرورياً.
حصيلة هذه الصادرات مجتمعة مقدرة بمبلغ 20 مليار دولار سنوياً.
باعتبار أن في مقدمتها إنتاج وتصدير 100 طن ذهب في العام بسعر 100 ألف دولار للطن من عيار 18.
وفي المقابل تكون مؤسسة التجارة السيادية مسؤولة وحدها عن استيراد السلع الاستراتيحية مثل: المحروقات بأنواعها، الأدوية البشرية والبيطرية، القمح والدقيق، مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، المستوردات الحكومية، السلع الغذائية الهامة ( لصالح جمعيات تعاونية استهلاكية تنشأ في الأحياء لهذا الغرض).
على أن تتاح مئات السلع الأخرى للقطاع الخاص حتى يمارس دوره العادل في تجارة الاستيراد مع التزام بنك السودان بتوفير قيمة تلك الواردات.
وتتضمن الخطة حصر نشاط الاستيراد على الشركات الكبرى المؤهلة، مع إسقاط جميع السلع التي لا ضرورة لاستيرادها في المرحلة الراهنة، وما أكثرها.
التكلفة المتوقعة للواردات المذكورة آنفاً، بما فيها واردات الشركات، 10 مليار دولار سنويا.
هذا سيعني أننا إذا عقدنا العزم جدياً على إنفاذ هذه الخطة، فسنحقق فائضاً يناهز 10 مليارات دولار سنوياً، ينبغي أن توجه إلى التنمية وإعادة هيكلة الاقتصاد، بحيث نحقق الاكتفاء الذاتي من سلع الواردات كافة خلال سنوات ثلاث، عبر استثمارات عامة تتبع للدولة وتصب ايراداتها في الخزينة العامة بما يغنيها عن فرض تلك الضرائب الباهظة التي أشرنا إليها في مقالنا الأول، خاصة أن الواردات السيادية السابقة ( الوقود والقمح والأدوية الخ) ستباع في السوق المحلي بحصائل ضخمة يذهب جزء منها إلى إعادة شراء سلع الصادر الست، ويتحول الفائض إلى خزينة وزارة المالية لدعم الموازنة العامة وأحداث الانتعاش بعد عام واحد من بدء الخطة.
وأما النتائج الإقتصادية المتوقعة بعد ثلاث سنوات فهي بايجاز مايلي:
سيطرة الدولة بصورة تامة على أسعار سعر العملات الأجنبية لأنها ستمتلك وحدها العملات الاجنبية من حصائل الصادر.
بما يرفع قيمة الجنيه كثيراً، ويحقق استقراره.
انخفاض فوري في معدلات التضخم بصورة لافتة من جراء انخفاض قيمة الدولار.
سيطرة الدولة على أسعار السلع الهامة كالدقيق والوقود والغاز والدواء ومدخلات الانتاج، بما يحقق انخفاضاً ملموساً في أسعارها، حيث لا مضاربات ولا ارباح فلكية ولا سماسرة.
تحقيق إيرادات عامة حقيقية ووافرة تدعم الميزانية العامة للدولة، وتمكنها من مجابهة إلتزاماتها، بما في ذلك تعديل الرواتب، وتحسين مستوى الخدمات العامة.
اطلاق مشاريع التنمية وفرص العمل وزيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي GDP
تحسين بيئة الاستثمار وهزيمة اقتصاد الظل بما يؤدي إلى تقوية شوكة الحكومة وخفض مستوى الفساد فيها بعد تحسين مستويات الدخل.
تصحيح خلل ميزان المدفوعات بعد زيادة قيمة الصادرات على حساب الواردات.
تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاسترتيجية وتنميتها لتحويلها الى سلع صادر.
استغناء الدولة عن الإفراط في فرض الضرائب والجبايات المرهقة للمواطن والمستثمر.
أخيراً..سيقول قائل ثمة معضلات كبرى ستواجهك حتماً فكيف ستتعاطى معها الخطة وهي:
1- الحظر الأمريكي الإقتصادي المصرفي.
2- فشل بيروقراطية الدولة وعجزها عن إدارة النشاط الاقتصادي.
3- من أين ستأتي برأس المال الذي تشتري بها السلع النقدية الست من السوق المحلي بغية تصديرها أول الأمر؟
4- ظاهرة تهريب الذهب والسلع المهمة كيف تتجاوزها.
ردنا الناجع حيال التحديات الأربعة الأخيرة سيكون فحوى مقالنا المقبل إن شاء الله.
*ملحوظة: الأرقام الواردة اعلاة تقريبية ولكنها واقعية.
د. محمد عبد القادر سبيل
[email protected]
خبير إداري وباحث اقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..