
في هذه الدنيا هناك عجائب وهناك ايضا غرائب ومن الغرائب التي شهدناها مؤخرا هو نفي الحزب الشيوعي السوداني صحة اجتماع اللجنة المركزية ولم يكتف بذلك بل اتهم خصومه ببث الأكاذيب “أكاذيب وتلفيق لا يمت للحقيقة بصلة ” واعتبر ذلك محاولة من قوى الرأسمالية الطفيلية المعادية للثورة لتشويه صورة الحزب والتشكيك في وحدته ومواقفه أمام اعضاءه وجماهيره.
طبعا نحن هنا لسنا على اطلاع كاف بما يخص ملابسات هذه الانتفاضة لكن مهما كانت الاسباب فان هذا الهذيان لا يمكن مصادفته الا لدى نزلاء دار العجزة وهذا مؤشرعلى ان الحزب الشيوعي السوداني بدأ ينقل نضاله من عالم الواقع الى العالم الافتراضي مع استمراره في استخدام مصطلحات خشبية خاطئة يقحمها قي بياناته مثلا على ذلك استخدامه لمصطلح “الرأسمالية الطفيلية” دون سابق انذار وكلنا يعلم ان الطفيليات تسبب المرض وتصل ببعض الحالات إلى الموت فحبذا ان تكون هذه الرأسمالية مصابة بالطفليات لانها ستنهار من تلقاء نفسها . المهم في الامر ان انقلاب 1971 ادى الى نكسة للحزب الشيوعي والحركة الوطنية والعمالية السودانية تعادل نكسة 1967 التي خرج منها عبد الناصر اكثر شعبية من ذي قبل ، لكن عبد الخالق محجوب خرج منها شهيدا وما زلنا نعاني من تداعيات تلك النكسة حتى اليوم لانها فتحت الطريق امام قوى الارهاب الاسلامي للوصول الى السلطة وما نشهده من خراب بعد اختلاسها لهذه لسلطة . وهنا لسنا بصدد محاكمة تلك الشخصية الشامخة اعني الشهيد عبد الخالق على هذا الخطأ اضافة الى عدم رغبتنا لومه على موقفه المجامل للدين في بدايات طريقه النضالي لكن الهدف من كل ذلك هو دعوة الحزب الشيوعي الى تحديد موقفه من الدين لاننا لاحظنا ان بمقدوره التعايش مع عصابات علي كرتي كما تعايش سابقا مع دجال عموم السودان حسن الترابي وبهذه المناسبة نعيد قراءة مقالة عبد الخالق محجوب عل وعسى ان يستفيق هذا الحزب من وهم الترويج لنفسه بوصفه تيار جذري لان الواقع للاسف بات قاب قوسين او ادنى من ان يثبت انه تيار فاشل.
في مقالته الشهيرة كيف اصبحت شيوعيا كتب الشهيد عبد الخالق محجوب : ” لم اتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثا في الأديان” . وتابع يقول:
إن الفكر الشيوعي ليس أمامه من عدو حقيقي في البلاد سوى الاستعمار الأجنبي ومن يلفون حوله، فأين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟
ونحن نجيب :اليس من لف حول الاستعمار هم جماعات وقوى تسرت برداء الاسلام ؟
– إن الفكرة الشيوعية تدعو في نهايتها إلى الاشتراكية حيث يمحي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. أين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟
ونحن نجيب هل الغى الاسلام العبودية ام نظمها حسب اعترافهم ؟ اين حقوق المرأة في الاسلام؟ اين احترام حقوق الانسان مثلا اهل الذمة ؟ لكن لم يوضح الشهيد ماذا يعني بالدين الاسلامي ! خصوصا وان الاسلام لم يكن يوما دينا واحدا جامعا بل خلقهم الله وفق النص قبائل وشعوب لتعارفوا لكنهم لم يتعارفوا حتى اليوم لا بل تذابحوا .
نحن لا نلوم عبد الخالق محجوب في موقفه هذا لان همه الاول كان البحث عن حل مشاكل الشعب وبالفطرة ادرك ان الاسلام ليس هو الحل لذلك وجد ضالته بالماركسية .
في يومنا هذا لم يعد مقبولا ان لا يعرف الحزب الشيوعي السوداني ما هو الدين الاسلامي؟ ولعل هذه الترسيمة المبسطة والرمزية لهذا الدين تضع الامور في نصابها
بدأ الاسلام مرحلته الاولى من غار حراء وهي مرحلة “الاسلام عبادة ” وبعد رحيل الرسول الى يثرب من مخبأ ثور (مخبأ الهجرة ) بدأت مرحلة “الاسلام امة ” وبعد ان اشتد ساعد اتباع الدين الجديد دخل الاسلام مرحلة “الاسلام فتوحات ” وبعد تراجع نفوذ هذا الدين دخل مرحلة ” الاسلام سيف ” لكن هذا لا يعني ان السيف فارق الاسلام منذ البدايات بل كان ينطق اكثر من ايات الله البينات في مسيرته التاريخية الطويلة .
في باكورة المرحلة المكية كان الرسول وحيدا في غار حراء وفي المرحلة الثانية كثر الاتباع فظهر مجتمع الاتباع ومعه تشريعات الدين الجديد بهدف توحيد شبه الجزيرة العربية في أمة واحدة .وفي المرحلة الثالثة بدأت غزوات الابل نحو مناطق الجوار وتحول هذا الدين الى حركة استعمارية وفي المرحلة الرابعة اي في زمننا هذا اصبح الاسلام دين الارهاب دون منازع لان من يدير دفة الاسلام اليوم هم ارهابيون لذلك اصبح الاسلام على صورتهم . ولتأكيد ذلك نذكر ان علي ابن ابي طالب قال: “هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين، لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال “. وبالتالي معنى كلام الله يتبدل وفقا لزمن المترجم وقدرته على التأويل حتى ان المذاهب الاسلامية التي يعتقد الكثيرون انه من المفترض اتباعها هي مذاهب اعتمدها الحكام فعند اهل السنة من قرر لهم التعبد على المذاهب الاربعة دون سواها من مذاهب اهل السنة هو الظاهر بيبرس المملوكي وعن التعبد في المذاهب الاخرى فالخليفة الفاطمي هو من حدد اي المذاهب متاحة للتعبد وبالتالي المذاهب لم تكن وليدة حاجة دينية بمقدار ما كانت حاجة سياسية . تقاطع مصالح بين الفقيه والحاكم وهنا نحن لسنا بصدد مهاجمة الدين الاسلامي بل نحن بصدد تحديد علاقتنا كسودانيين بالدين الاسلامي طالما ان القرآن لا ينطق بلسان وانما ينطق عنه الرجال نحن كسودانيين علينا الاعتراف بالمرحلة الاولى الاسلام عبادة لانها رسالة موجهة الى البشرية جمعاء اما المراحل الاخرى فلا تعنينا كسودانيين لا من قريب او بعيد فالامة التي ارادها الله ليتباهى بها على الامم الاخرى حدد موقعها جغرافيا (في النص والحديث) في شبه جزيرة العرب والسودان يقع خارج نطاق هذه الامة اما مرحلة الاسلام فتوحات فنحن ضحايا غزو بلادنا من جحافل الابل وللاسف فان هذه الغزوات ما زالت مستمرة ووفقا للمنطق التاريخي فعادة ما تتماهى الشعوب المغلوبة مع الغزاة المنتصرين فيقلدونهم في كل شيء ونحن كسودانيين لا نمثل شذوذا عن القاعدة اما المرحلة الاخيرة الاسلام سيف اي مرحلة الارهاب ولا اعتقد اننا بحاجة الى امثلة لتأكيد ذلك.
هي دعوة صادقة منا لكم كي تستقيقوا وتعودوا الى عالم الواقع من عالمكم الافتراضي والا يصح فيكم ماقاله عبد الخالق لغيركم “والله أنتم في واد والشعب في واد آخر غير أن واديكم غير ذي زرع.”


