مقالات وآراء

الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية (8-9)

د. عبد المنعم همت

الحلقة الثامنة: التنظيم المغلق وأزمة التجديد

إذا كانت الحلقات السابقة قد تناولت مظاهر المأزق في علاقة الحزب بالمجتمع السياسي والنقابي والمهني، فإن فهم هذه الظواهر لا يكتمل دون التوقف عند البنية الداخلية للحزب نفسه. فالأحزاب السياسية لا تنتج ممارساتها في الفراغ. طريقة التفكير داخل التنظيم، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة القيادة، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في علاقة الحزب بالمجتمع الذي يعمل داخله.
منذ نشأته، اعتمد الحزب الشيوعي السوداني نموذجاً تنظيمياً يقوم على الانضباط الحديدي ووحدة القرار. هذا النموذج استند إلى تقاليد الحركة الشيوعية العالمية التي نشأت في ظروف صراع سياسي حاد. كانت تلك الظروف تفرض قدراً كبيراً من السرية والانضباط، لأن التنظيم كان يعمل غالباً تحت ضغط الملاحقة الأمنية أو في بيئة سياسية غير مستقرة.
في تلك المرحلة التاريخية، كان التنظيم الصارم يؤدي وظيفة واضحة. الانضباط كان يضمن وحدة الحركة ويمنع التشتت داخل الحزب. كما أنه ساعد الحزب على الاستمرار في فترات القمع السياسي حين كانت الأحزاب الأخرى تتعرض للتفكك أو الانقسام.
غير أن المشكلات بدأت تظهر عندما تحولت هذه القواعد التنظيمية من أدوات مؤقتة إلى بنية دائمة. فالأساليب التي تُصمم لحماية التنظيم في ظروف العمل السري لا تصلح دائماً لإدارة حزب يسعى إلى العمل داخل مجتمع مفتوح ومتغير. مع مرور الزمن، أصبح التنظيم نفسه أكثر ميلاً إلى الانغلاق وأقل قدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية التي جرت في السودان.
أحد مظاهر هذا الانغلاق ظهر في بطء عملية التجديد داخل الحزب. القيادات التاريخية احتفظت بمواقعها لفترات طويلة وظهور أجيال جديدة في مواقع القيادة ظل يسير ببطء شديد . هذا الوضع خلق فجوة بين الحزب وبعض التحولات التي حدثت في المجتمع السوداني، خصوصاً في الأوساط الشبابية والطلابية .

المجتمع يتغير بوتيرة سريعة، وتظهر داخله أسئلة جديدة تتعلق بالاقتصاد والثقافة والهوية والعلاقات الاجتماعية. الحزب الذي لا يمتلك آليات مرنة لاستيعاب هذه الأسئلة يجد نفسه تدريجياً خارج مركز النقاش العام. وفي كثير من الأحيان، يصبح الخطاب السياسي للحزب أقرب إلى إعادة إنتاج لمفاهيم قديمة أكثر من كونه محاولة لتفسير واقع جديد.
إلى جانب بطء التجديد القيادي، برزت أيضاً مسألة طبيعة النقاش الداخلي داخل الحزب. فالتنظيم الذي يقوم على مركزية القرار يميل بطبيعته إلى تضييق مساحة الاختلاف. الخلافات الفكرية تُناقش داخل الأطر التنظيمية المغلقة، غير أن الوصول إلى رأي موحد يصبح في كثير من الأحيان هدفاً بحد ذاته. ومع مرور الوقت، يتراجع التنوع الفكري داخل الحزب، ويصبح الخطاب العام أكثر تجانساً وأقل قدرة على استيعاب التعدد.

هذا النوع من التنظيم ينتج ظاهرة معروفة في الحياة السياسية: صعوبة المراجعة. الأحزاب التي تمتلك بنية تنظيمية مغلقة تجد نفسها في وضع يجعل الاعتراف بالأخطاء أمراً معقداً. المراجعة تحتاج إلى مساحة من الحرية الفكرية تسمح بطرح الأسئلة الصعبة. أما التنظيم الذي يقوم على الانضباط الصارم، فإنه يميل إلى الدفاع عن مواقفه السابقة حتى عندما تتغير الظروف.
في التجربة السياسية السودانية، مرت البلاد بتحولات كبرى خلال العقود الأخيرة. تغيرت بنية المجتمع، واتسعت المدن، وظهرت أجيال جديدة تشكل وعيها في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي نشأت فيه الأحزاب التقليدية. هذه التحولات كانت تحتاج إلى قراءة جديدة، وإلى تطوير في الأدوات الفكرية والتنظيمية للأحزاب السياسية.
غير أن الحزب الشيوعي ظل في كثير من الأحيان يعمل ضمن الإطار الفكري والتنظيمي الذي تشكل في منتصف القرن العشرين. هذا الإطار كان مناسباً لمرحلة تاريخية معينة، غير أن استمرار الاعتماد عليه دون مراجعة عميقة جعل الحزب يبدو أحياناً وكأنه يتحرك داخل زمن سياسي مختلف عن الزمن الذي يتحرك فيه المجتمع.
المشكلة لا تتعلق فقط بالأفكار، بل بطريقة إنتاج هذه الأفكار داخل التنظيم. الحزب الذي يسمح بقدر واسع من النقاش الداخلي يستطيع أن يطور نفسه باستمرار. أما الحزب الذي يخشى الاختلاف، فإنه يميل إلى تكرار نفسه. ومع مرور الزمن، يصبح الفارق بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي أكثر وضوحاً.

هذا الوضع يفسر جانباً من الصعوبات التي واجهها الحزب في التفاعل مع القوى الاجتماعية الجديدة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. الحركات الشبابية ولجان المقاومة نشأت في فضاء اجتماعي مختلف عن الفضاء الذي نشأت فيه الأحزاب التقليدية. هذه الحركات تقوم على مبادرات قاعدية مرنة، وتعتمد على أشكال جديدة من التنظيم والتواصل.
التنظيمات الصارمة تجد صعوبة في التعامل مع هذه الأشكال الجديدة من العمل السياسي. فهي تميل إلى البحث عن هياكل واضحة يمكن إدماجها داخل النظام التنظيمي القائم. غير أن الحركات الاجتماعية الجديدة غالباً ما ترفض هذا النوع من التأطير، لأنها ترى فيه تهديداً لطبيعتها المفتوحة.
في هذه النقطة يظهر التناقض بوضوح. الحزب الذي يمتلك تاريخاً طويلاً في العمل السياسي يجد نفسه أمام مجتمع تغيرت أدواته وأساليبه. الاستجابة لهذا التحدي تحتاج إلى قدر كبير من المرونة الفكرية والتنظيمية. غير أن التنظيم المغلق بطبيعته لا يتحرك بسهولة في هذا الاتجاه.
المراجعة الحقيقية لأي تجربة سياسية تبدأ من داخلها. الأحزاب التي استطاعت البقاء مؤثرة عبر عقود طويلة هي تلك التي امتلكت شجاعة مراجعة بنيتها الداخلية كلما تغيرت الظروف التاريخية. هذه المراجعة لا تعني التخلي عن المبادئ الأساسية، لكنها تعني تطوير الأدوات التنظيمية والفكرية التي تسمح للحزب بالبقاء جزءاً من حركة المجتمع.
الحزب الشيوعي السوداني يقف اليوم أمام هذا التحدي. الإرث التاريخي الذي يحمله يمنحه مكانة مهمة في الذاكرة السياسية السودانية، غير أن هذه المكانة لا تكفي وحدها للحفاظ على الحضور السياسي. الحضور يحتاج إلى قدرة دائمة على التجدد، وإلى تنظيم يسمح بظهور أفكار وقيادات جديدة.
في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة سنحاول النظر إلى الصورة الكاملة: ما الذي بقي من المشروع السياسي للحزب بعد هذه التحولات؟ وهل ما زال قادراً على لعب دور مؤثر في مستقبل السياسة السودانية، أم أن الزمن السياسي بدأ يفتح المجال أمام أشكال جديدة من الفعل العام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..