
(كيف نجعل الاستثمارات الحكومية تنجح)
تقصياً لأسباب اغتناء الحكومة واستغنائها عن الجبايات الباهظة التي تخلق ما أطلقنا عليه ظاهرة (الغلاء المستعار) الذي بدوره يخلق الركود الاقتصادي العام stagflation، ولأجل أن تسترد الدولة هيبتها وفاعليتها، فإننا اليوم نضع يدنا على الجرح مباشرة، حيث أهم العلل التي من شأنها أن تقعد الموظف العام عن النهوض بالشركات والمشاريع الاستثمارية العامة نحو مشارف النجاح والرباح.
فلطالما احتج سدنة الخصخصة وسياسة التحرير الاقتصادي، بالعجز الحكومي وكأنما هو حتم لا مندوحة عنه، فخلصوا إلى أن الموظف العام – بالمطلق – لا يصلح لإدارة أي مشروع مربح، لأنه ليس بذي (وجعة) شخصية، ولا يهمه من عمله في الميري سوى أن يتمرّغ في ترابه البارد، ليتم سويعاته كيفما اتفق وبلا مبالاة، ولسان حاله يلهج بمقولة ( جلداً ما جلدك جُر فوقه الشوك).
تلك إذاً قضية تتعلق بأخلاق الموظف السوداني، وأمانته المكلومة، أثناء أداء الوظيفة العامة، وفي ظننا فإن هذا ليس صحيحاً، حينما يطلق الكلام هكذا على عواهنه، لأن الموظف السوداني ينجح في الخارج، وينجح في القطاع الخاص، وهو ذاته من كان يوماً مثالاً للكفاءة والولاء لعمله الإستثماري الحكومي، إبان الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات من القرن المنصرم، بأمارة نجاحه في إدارة مؤسسات حكومية اقتصادية مثل: هيئة البريد والبرق وهيئة السياحة والفنادق، وهيئة سكك الحديد ، وسودانلاين البحرية، وبنوك: الخرطوم والثروة الحيوانية والوحدة والبنك الزراعي والصناعي والعقاري، في هاتيك العقود الخوالي، ومعها كانت الشركات التجارية الحكومية مثل: شركة الأقطان السودانية، وشركة المواشي، والصمغ العربي، والحبوب الزيتية وغيرها.
فما الذي قلب الموازين بعد منتصف السبعينات لتتدهور الإدارة فتفشل تلكم الشركات والبنوك الحكومية منذئذ حتى انهارت تماماً بين يدي دكتور عبد الرحيم حمدي الذي باعها بثمن بخس؟.
لعلها جملة من الأسباب اعتورت كفاءة موظف الدولة وأفشلت جهده الاستثماري، نورد منها:
أ- تلاشي جيل التربية الانجليزية في الخدمة العامة، وهو جيل لم يكن يعرف المحسوبية والاغتنام السياسي للمناصب ولا التسيب أوالفساد وتجاوز القانون واللوائح، وعندما تقدم الصفوف جيل التربية السودانية المحضة، جاء الموظفون محمولين على أكتاف قبائلهم وشفاعة أحسابهم وأحزابهم، فكان ذلك على حساب الكفاءة والمؤسسية والانضباط.
ب- البيروقراطية والتلكؤ في اتخاذ القرار بسبب بطء الإجراءات الديوانية وتسويفاتها.
ج- ضعف الراتب والحافز المادي والمعنوي المشجع على العمل.
د- عدم توفير التمويل المالي المرن والكافي لتمويل العمليات الإنتاجية في مواعيدها .
ه- التقاعس عن تطوير نظم والتدريب لرفع الكفاءة ومواكبة مستجدات التكنولوجيا.
ومن المعلوم أن المدير الكفؤ لا يستطيع العمل في بيئة مناوئة ومع موظفين بلا جدارة وإخلاص. فحدث ما حدث من هروب للعقول والخبرات فانهارت المشاريع.
والحال..
فإن أمامنا طريقين نحو إنجاح الاستثمارت العامة مادمنا قد أيقنا أهميتها وضرورتها للمحافظة على قوة الدولة وتمكينها من الاضطلاع بوظائفها وأدوارها لمصلحة الشعب بعيدا عن الوقوع في خطيئة الضرائب المفرطة.
أما الطريق الأول فهو: التعاقد من شركات عالمية:
غاية هذا الخيار هو استقدام شركات عالمية متخصصة في المجال المعين لإدارة النشاط بمواصفات عالمية، ومثالاً على ذلك الاستثمار الذي أشرنا إليه في الحلقة الثانية والمتعين في (إستيراد وتصدير السلع السيادية). على أن يتم تعيين مجلس إدارة ومدير عام سوداني كفؤ، تعمل الشركة تحت إشرافه ومتابعته خاصة في جانب الإدارة المالية، على أن يقود طاقمها مدير تنفيذي تقوم الشركة بتعيينه، ولها الحق في تشغيل موظفين بمعاييرها وشروطها. لأن ما يهمنا في هذه المرحلة هو الخروج السريع من مأزق الشلل الإقتصادي الراهن.
ويمكن أن يشمل العقد تدريب كوادر وطنية تخضع للوائح ونظم الشركة الأجنبية التي تحصل على نسبة متفق عليها من الإرباح.
الطريق الثاني: نموذج الإدارات المستقلة:
وفيه خياران..
فإما أن تدخل الحكومة شريكاً ( مالك أسهم رئيس في شراكة مع رجال أعمال كبار ومؤهلين)، سواء أكانوا أجانب أو سودانيين، مثل ( نموذج شركة كنانة)، على أن تعمل الشركة بصورة مستقلة، وبمرونة القطاع الخاص وشروط خدمته، دون الخضوع للإدارة الحكومية البيروقراطية المباشرة، وتحصل الدولة – التي تترأس مجلس الإدارة – على نصيبها من الأرباح في نهاية العام.
أو الخيار الآخر وهو أن تؤسس الحكومة شركة استثمارية مملوكة لها بالكامل ( تتوزع أسهمها مؤسسات حكومية ووزارات مختلفة)، ويعين لها مدير عام مستقل عن النظام الحكومي، بنظام التعاقد الخاص، حيث يتصرف بعقلية وبراغماتية القطاع الخاص، من حيث الرواتب والحوافز وديناميكية الأداء، وتوفر له في بداية الأمر ميزانية التمويل وكل مطلوبات الاستثمار، ويكون المدير العام مفوضاً بعذ ذلك للتصرف بمرونة، وهو مسؤول فقط أمام مجلس الإدارة. ولعل هذا هو النموذج الصيني الناجح الآن.
ونشير إلى ما نتوقع بروزه ههنا من دعاوى عاطفية إزاء السيادة الوطنية، وتشغيل الموظف الوطني، وكيف يدير الأجنبي أهم سلعنا النقدية الخ، فتلك ذرائع لتمرير الظلم القائم الآن والذي يجسده اختطاف ثروة البلاد بالكامل بواسطة حفنة ضئيلة من الرأسمالية الطفيلية، تستحوذ على أنفع الموارد، باسم السيادة الوطنية التي تعزل الحكومة ذاتها والشعب معها وتنمحهم كل شيء. فيا للسيادة الوطنية.
ثم إن دول الخليج كلها استعانت وما تزال تستعين بالأجانب الأكفاء، لإدارة أهم مواردها ومؤسساتها الاقتصادية، ضماناً لأفضل الممارسات العالمية، الأمر الذي تمخض عنه تحقيق نجاحات باهرة، ماثلة للعيان، ورويداً رويدا يتم إحلال الكوادر الوطنية التي ترتقي بمستواها إلى المواصفات الدولية على صعد الشفافية وتنمية الإنتاجية والتميز المؤسسي.
هكذا يمكننا تجاوز عقبة فشل موظفي الدولة في ادارة الاستثمارات العامة، وتحقيق الأرباح المجزية التي توفر الإيرادات الكافية بما يغني الحكومات من المبالغة في فرض الضرائب، بجانب توفير العملات الأجنبية التي تضمن احتياطياتها السيطرة على سعر الصرف وتقوية العملة الوطنية وبالتالي تنخفض معدلات التضخم الركودي وينطلق النمو.
ونواصل..


