مقالات وآراء

ذكرى رحيل المحبوب محجوب شريف

ابراهيم بخيت

بالأمس 2 ابريل مضت الأيام بنا نحو العام الثالث عشر منذ ان فقد الوطن اخلص أبنائه ثلاثة عشر عاما منذ ان رحلت عن سماوات بلادنا وجوها وعقولا وقلوبنا كنا نرتجيها لصناعة وايجاد السودان الواحد الجامع الناهض المتسامح والمثالي، الطافر في وجه العالم معلما ومعلما و نموذجا. هكذا في هذا التاريخ وزمن الدهاريب هذا نستذكر فراقنا لاعز الناس محجوب شريف النظيف ولد مريم بت محمود. محجوب الامل المرتجى للتبصر و اتقاد البصيرة و الفعل الوطنى الخالص المخلص. ولكن يا لحزننا السرمدى باخت كل الأمانى وانتصرت مؤقتا غمامات الانفس الامارة بالسوء، وتمددت بكتيريا النفوس المريضة بالانا وادعاء الطهر المزيف، وارتفعت رايات الخواء العقلى وتمددت وعلت أصوات الجاهلين المجهلين بالكرمة الإنسانية، ها نحن اليوم نتجرع مرارات الحوادث والحادثات على ارض وطن يئن شاكيا من خطوات احذية العسكر تدوس على المهج والابدان والأمانى، والبندقية العمياء التي تعصف بالأرواح بلا قيد من دين ولا اخلاق ولا وطنية. وها هي الأيام تعد بنا من جديد الى زمن- باب السجن مفتوح – زمن جلادو ما برحم – وانفتاح الزنازين المرة تلو الأخرى لتملأ بطونها باخلص ذرارى الوطن من الأولاد والبنات الذين يصدحون بما كان ينادى به محجوب شريف الذى رحل ومازالت الحناجر تترنم بأناشيده وكلماته الوطنية
اوعك تخاف
ﻳﺎ ﻣﻦ ﺗﻤﻮﺕ ﺑﺎﻟﺠﻮﻉ ﻭﻗﺪﺍﻣﻚ ﺿﻔﺎﻑ
ﻭﺍﻷﺭﺽِ ﺑﺎﻃﻨﻬﺎ ﻇﻞَّ ﻣﻄﻤﻮﺭﺓ ﺳﻮﺍﻙ..
ﻋﻄﺸﺎﻥ ﻭﻗﺪ ﻧﺰﻟﺖ ﻋﻠﻴﻚ
ﺃﺣﺰﺍﻥ ﻣﻄﻴﺮة
ﻣُﺰَﻥ ﺳﻤﺎﻙ..
ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺃﻭﺳﻊ ﻣﻦ ﺗﻀﻴﻖ
ﻗﻮﻡ ﺃﺻﺤﻰ ﻓِﻚ ﺍﻟﺮﻳﻖ ﻫﺘﺎﻑ
ﺇﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺃﺣﺒﻮﺍ ﺭﻭﺣﻬﻢ ﺿﻴَّﻌﻮﻙ
ﻭﺑﻴَّﻌﻮﻙ ﺃﻋﺰ ﻣﺎ ﻣﻠﻜﺖ ﻳﺪﺍﻙ..
ﺃﻭﻋَﻚ ﺗﺨﺎﻑ.
ها انا اعيد اليوم ما كتبته ناعيا صديقى المحجوب عن صغائر الدنيا والامنيات الشخصية الصغيرة واقول لكم حقيقة عجزت أن أكتب عن محجوب. بحثت عن لسانى و لم أجده، صرخت مستنجدا ولم يسعفنى أحد، الكل مأخوذ بهول الواقعة. الموت حق. صارعت قلمى فصرعنى، أجلت طرفى حولى علنى أعرف ما الذى أنا فيه، وما الذى أعجزنى فوجدت معجزى عاجزا من هول الواقعة. الموت حق. هل لأن لسانى إنعقد أم أن قلمى إنكسر. و أدور أبحث عن إجابة غير هذه فأجد أنه لا القلم يوفى ولا اللسان يكفى. وظللت أقرأ كل ما كتب عن محجوب بعد ان أغلق باب الحياة ومضى. وأجلت بصرى فى كل الحزانى الذين قابلونى فى الطريق، الذين أعرفهم والذين يعرفون محجوب. الذين لا يعرفوننى. ومحجوب الشخص شاخصا فى كل وجدان إنسان صادق مع ذاته ومع وطنيته. وهذه الخصلة تحديدا هى التى صبغها حبيبنا محجوب فى كل سودانى. وخاصة عامتهم الذين لا يعرفون تزويق الكلام ولا يعرفون مجاملات الافندية. وقف حمارى، من أين ابدأ النحيب؟ ومن أين أبدأ النشيج ؟ ومن أين؟ ومن أين؟ ومن أين ؟ما هذا الذى أنا فيه ؟ يا محجوب أتكفيك المراثى الضاجة جزءا مما أعطيت وما قدمت وما ارسيت لهذا الوطن من القيم الشوامخ ؟ أى لغة تلك التى توفيك حروفها وصفا. وأى لسان يكشف مخابئ العبقرية فى لغتك، وأى ضمير ذلك الذى تخشاه أن يغيب؟
أموت لا أخاف
كيفما يشاء لي مصيري
أموت لا أخاف
قدر ما أخاف
أن يموت لحظةً ضميري
وأى طارف وتالد جاراك ويجاريك فى قدح القريحة وصفاء العبارة. وأى فاجعة ألمّت بنا وبالوطن وأنت يامحجوب ترحل هكذا مسرعا وقطار النضال لم يصل محطته الاخيرة. وهنا يكمن وجعك الممض الذى فشلت المحابس ان تثنيك عنه. لا السقم قد نال من عزيمتك لا الوهن أوقف نبضات الجرأة فى قلبك ولفظك. ولا السجن لا السجان باق. بل تبقى أنت فينا فى كل خلية من خلايانا روحا وريحانا وحاديا لم يتنكب الطريق. أنت فينا فى كل بسمة رسمتها على شفاهنا وأنت يعتصرك الألم. فى كل باب فتحته للأمل فى قلوبنا. تبقى أنت فينا كلنا فى كل كلنا، فى كل كل الشعب ..إن كان الزمن يقايض ،وإذا كان الموت يساوم من منّا يبخل بالفداء أهكذا سريعا يا محجوب تغلق باب الحياة وتمضى نقيا كما عرفتك وعاشرتك فى كل الازمان والمواقف، فى زمن “الدهاريب والسما الهرّاج” وفى زمن الارتخاء الديموقراطى،ومنذ الصبا الباكر فى مشوار الحياة والذكريات الجميلة بين أزقة وحوارى ام درمان وحى البوستة وفى شوارع الثورة .عرفتك منذ مريم الاولى “عليها الرحمة” وقبل مريم الثانية .وما بين مريم الاولى والثانية مشوار من الزمن بين الحلم والحال ،بين المنفى والمعتقل .عرفتك وأميرة صنو روحك كانت حلما نسجنا خطوات تحققه فى المشاويرالكدّارى تعففا من بطون ام درمان الى تخوم الثورة. انتصرنا على رهق المسافة بالحديث الذى لا يفتر، عن الهم العام والهم الخاص، عن الوطن الجميل الذى يحضن الجميع. فى كل الازمان ظللت يا محجوب محجوبا عن الغفلة والتوهان، وضميرا حيا وروحا شفافة تسعد الآخرين بوجودها. وأنت المعلم المربى الذى يقبض الجمر فداءا للنهج القويم والمنهج السليم، وفوق هذا وذاك فأنت الشاعر. وما أقل الشعراء. فالشعر الحى لا يصدر عن النفس الأمارة بالسوء، بل عن النفس الراضية المطمئنة. التى تحس بالحياة والاحياء وتقدّر الوجود الإنسانى فتجلّه. ومحجوب طيّب ونفسه طيّبة، والطيبون هم الذين يسبرون أغوار البسطاء، يجوسون فى مكامن الانسانية فيهم ويلمسون تطلعاتهم وأمانيهم ويعرفون مفرداتهم اليومية الحميمة التى لا يمكن صناعتها. ولا يمكن ان تتجمل بالزيف والرياء فهى من خانات الصدق تنبع ومستقيمة فى مظانه تصب. وتطوف على الروح شفيفة خفيفة تتخلل المسام لتختلط بكيمياء وفيزياء وجغرافيا وتأريخ و تراثا لدواخل لتصنع عالما كاملا من المتعة و الدهشة، وترسخ فى النفوس الوجود الحى النابض لمعنى و اساس الوطن و الشرف والعزة و الكرامة وكل مكارم الاخلاق. و تدعو للتآلف و التحابب و المودة الصادقة وتزرعها فى الخلايا والمسام. نم هانئا صديقى فقد اوفيت وكفيت وفضّت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..