مقالات وآراء

التعليم كتحريرٍ للإنسان: رؤية الاستاذ محمود لتجاوز المدرسة التقليدية وبناء الإنسان الحر

حسن عبد الرضي

يمثّل خطاب الاستاذ محمود محمد طه إلى عميد معهد بخت الرضا عثمان محجوب وثيقة تأسيسية نادرة في الفكر التربوي، ليس لأنها تقترح إصلاحًا تعليمياً جزئياً، بل لأنها تضع تصورًا جذريًا يعيد تعريف معنى التعليم، ووظيفته، وعلاقته بالإنسان والمجتمع. إن هذا الخطاب، المكتوب في عام ١٩٥٧، لا يزال – إلى اليوم – يتجاوز زمانه، ويقدم مشروعًا متكاملًا لحل أزمة التعليم في السودان من جذورها، لا من أعراضها.

التعليم: من حشو الذاكرة إلى تحرير الإنسان

ينطلق الاستاذ محمود محمد طه من نقد حاد للنموذج السائد في التعليم، القائم على حشو الأذهان بالمعلومات لأجل اجتياز الامتحانات. هذا النموذج – في نظره – ليس فقط فاشلًا، بل “مضراً”، لأنه يفصل المعرفة عن الحياة. وفي مقابل ذلك، يطرح مفهوم التعليم الذاتي المستمر، حيث تكون الغاية الأولى للتعليم هي تعليم الطالب كيف يتعلم بنفسه، طوال حياته.
هذا التحول ينقل التعليم من كونه مرحلة زمنية محدودة إلى كونه عملية وجودية مستمرة، ويجعل من الإنسان مشروعًا مفتوحًا للنمو، لا وعاءً مغلقًا للمعلومات.

الأساس الأنثروبولوجي: الإنسان ككائن قابل للتشكل

يبني الاستاذ طه رؤيته على فهم عميق لطبيعة الإنسان، حيث يرى أن الفرق بين الإنسان والحيوان هو فرق مقدار لا نوع. وهذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرة، تؤسس لفلسفة تعليمية خطيرة: فالإنسان لا يصبح إنسانًا إلا بالتعليم والتهذيب داخل المجتمع.
ومن هنا تصبح التربية ليست ترفًا، بل شرطًا لوجود الإنسان ذاته ككائن أخلاقي حر.

معادلة الحرية: جوهر العملية التعليمية

يصل الاستاذ طه إلى واحدة من أهم نتائجه الفكرية، وهي أن جوهر التعليم هو تمكين الفرد من التوفيق بين حريته الفردية ومسؤوليته تجاه الجماعة. فالتعليم الحقيقي لا ينتج فردًا متمردًا على المجتمع، ولا تابعًا ذائبًا فيه، بل إنسانًا حرًا مسؤولًا، يستمد سعادته من إسعاد الآخرين. وهذه المعادلة تمثل قلب الأزمة السودانية: غياب التوازن بين الفرد والجماعة، بين الحرية والنظام.

ثنائية التعليم: المهني والخلق

يقسم الاستاذ طه التعليم إلى قسمين متكاملين:
١. التعليم المهني:
ليس مجرد تدريب على وظيفة، بل وسيلة لتحقيق الذات عبر العمل المتقن. فالعمل عنده ليس نشاطًا اقتصادياً فقط، بل فعل توحيد بين العقل والجسد، وبناء للشخصية.
٢. التعليم الخلقي:
وهو الأخطر والأعمق، إذ يرى أن الأخلاق لا تُدرّس نظريًا، بل تُكتسب بالقدوة والممارسة. ويؤكد أن الدين – خاصة في روحه لا في قشوره الفقهية – هو أعظم وسيلة لترسيخ هذه القيم.

التعليم والبيئة: المدرسة وحدها لا تكفي

يرفض الاستاذ طه عزل التعليم عن محيطه الاجتماعي، ويؤكد أن الطفل يتشكل أساسًا في بيئته قبل المدرسة. ولذلك يدعو إلى:
إصلاح البيئة المنزلية. وتحسين الحي والمجتمع. وتكامل الجهود بين المؤسسات. بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقترح أن تكون وزارة المعارف مسؤولة عن “المورد البشري” منذ ما قبل الولادة، عبر تنظيم الصحة والزواج ورعاية الطفولة.

التعليم للجميع: من القرية لا من العاصمة

في رؤية الاستاذ محمود طه، لا يبدأ الإصلاح من الجامعات، بل من القرى. فهو يدعو إلى تعميم التعليم الأولي في كل قرية. وبناء المدارس بجهد المجتمع (النفير). وربط التعليم ببيئة الطالب (الزراعة، الرعي، الصناعة المحلية). كما يحذر من خلق فجوة بين المدينة والريف، ويؤكد أن الفرق يجب أن يكون “فرق مقدار لا فرق نوع”.

الطفولة: إطلاق الخيال قبل تقييد العقل

من أعمق أفكار الاستاذ محمود طه التربوية هي تأخير تعليم القراءة والكتابة. والتركيز على اللعب، والخيال، والتعبير الفني. وتنمية الحواس قبل الرموز. وهو بذلك يسبق كثيرًا من النظريات التربوية الحديثة التي تؤكد أن التعلم المبكر يجب أن يكون حسّيًا وتجريبيًا.

نقد التعليم الجامعي: النخبة المعزولة

يقدم الاستاذ طه نقدًا لاذعًا للتعليم الجامعي في صورته التقليدية، حيث يرى أنه مكلف بلا جدوى حقيقية، وينتج نخبة منفصلة عن واقع الشعب، ولا تخدم الريف ولا تفهمه. ويقترح بدلاً من ذلك توسيع قاعدة التعليم العام، وتأجيل التوسع الجامعي حتى تنضج البنية الاجتماعية والاقتصادية.

نحو تعليم وطني أصيل

في رؤيته النهائية، يدعو طه إلى تعليم ينبع من البيئة السودانية، ويُدرّس باللغة العربية. ويهضم المعارف العالمية دون أن يفقد هويته.
أي تعليم يصنع إنسانًا سودانيًا أصيلًا، وإنسانًا عالميًا في آنٍ واحد.

الخلاصة: مشروع حضاري لا خطة تعليمية

إن رؤية الاستاذ محمود محمد طه للتعليم ليست مجرد إصلاح مناهج، بل هي مشروع حضاري كامل، يقوم على تحرير الإنسان عبر المعرفة. وبناء الأخلاق عبر الممارسة. وتحقيق العدالة عبر تكافؤ الفرص. وتوحيد المجتمع عبر تعليم مشترك.
ولعل مأساة التعليم في السودان اليوم لا تكمن في نقص الموارد فقط، بل في غياب هذا النوع من الرؤية الجذرية. فبينما تتغير السياسات، وتُستبدل المناهج، يظل السؤال الذي طرحه الاستاذ محمود محمد طه معلقًا: هل نريد تعليمًا يُخرّج موظفين… أم إنسانًا حرًا؟ ذلك هو السؤال الذي، إن أُجيب عليه بصدق، يمكن أن تبدأ منه نهضة التعليم في السودان من جديد.

تعليق واحد

  1. سبحان الله فرق شاسع بين رؤيا متقدمة جدا طرحها الاستاذ وهرجلة وغوغائية ووقاحة شاهدناها فى القراى عندما الت اليه الامور الاشكالية دائما فى التطبيق وليس الحديث النظرى غير المكلف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..