قصة قصيرة … ميسو.. عطرٌ لا يذبل في ذاكرة الريح

عروة علي موسى
كثيرٌ من الناس اليوم من أهل القرية لا يعرفون ميسو، كما لم يعرف أهل القرية قديماً متى جاءت، ولا من أي الجهات هبّت عليها كما تهبُّ الرياح أول الخريف. كانت تظهر كأنها وُلدت من رحم المجاعة، من زمنٍ قاسٍ فرّ منه الناس باحثين عن أرضٍ أقل جوعاً وأكثر دفئاً، فجاءوا إلى أرض الجزيرة في قلب السودان، حيث اتسعت لهم صدور الناس قبل بيوتهم، فامتزج القادمون بالتراب، واختلطت لهجاتهم بأنغام الطبيعة.
ظهرت ميسو بينهم، امرأة متوسطة العمر، فارعة الطول، بسوادٍ يلمع في ضوء الشمس كما تلمع أشجار الأبنوس تحت ضوء القمر، لا يُخفيه الضوء بل يزيده حضوراً وفتنة ، وضحكة تُشبه رقصة الطيور عند الفجر. كانت لا تشبه أحداً، ومع ذلك أحبّها الجميع كأنهم يعرفونها منذ ولدت.
عاشت ميسو بين الأكواخ الطينية وأشجار السنط، في قريةٍ كانت لا تزال على عتبات البداية: طرقها متداخلة، ومواسمها منسوجةٌ بالحكمة والفقر والأمل. كانت تزرع معهم، تغني في أفراحهم، وتبكي في مآتمهم. في الأعياد، كانت أول من يشعل المجامر، وآخر من يطوي السجادة بعد انتهاء صلاة العيد. كان صوتها في الليالي المقمرة، في عمق الليل، ينساب من خلف البيوت البسيطة كأنه دعاء، أو أغنيةٌ قديمة نُسيت كلماتها، لكن بقي لحنها محفوراً في القلب.
حين يُزهر الخريف وتعود طيور السمبر من هجرتها، كانت ميسو أول من ترفع رأسها إلى السماء لتبشر الناس:
(السَمَبر جانا.. جا الخير).
فيضحك الأطفال، ويخرج الكبار لمعاينة الحقول. في تلك المواسم، كانت ميسو تعمل في المزارع مع الفلاحين، لا تنتظر الكثير، يكفيها القليل من النقود وكثير من الود، ورضاها عن نفسها.
ومع الوقت، صارت ميسو مثل السمبر: نذير خير، ورفيقة موسم، وأغنية تُغنّى بلا اسم كاتب. أحبها الكبار لأنهم وجدوها عنواناً للبساطة، وأحبها الصغار لأنهم رأوا فيها ضوءاً لا يُشبه أحداً. حتى من لم يعرف أصلها، نسي أن يسأل، فقد صارت (منّا وفينا)، كما يقولون.
لكن كما يفعل السمبر حين ينتهي موسم الخريف، ويحلق عالياً في السماء مودّعاً، فعلت ميسو. ذات صباح، لم يستيقظ أحد على صوتها، لم تخرج كما تفعل كل يوم لتملأ أزيار السبيل بالماء، ولا لتغني في طرف الحوش وهي تكنس الأرض. رحلت كما جاءت: في صمتٍ ناعم، دون استئذان، دون وداع. تركت خلفها روائح الحطب وذاكرة الدفء.
لم يسمع الأطفال ضحكتها في الصباح، لم يروها في الحقول، ولم تطرق أبواب الجيران كالعادة. فتشوا البيوت، نادوا اسمها في البيوت ،وقصدوا قطيتها فلم يجدوا حتى أثراً للسمبر من فوقها ، حتى الأطفال ظلوا يركضون خلف طيور السمبر يسألونها:
وين ميسو؟ شلتوها وين؟
لكن ميسو لم تكن هناك.
رحلت كما جاءت: في صمت. دون وداع، دون حقيبة، دون أثرٍ إلا ذاك الذي تتركه الأرواح الطيبة خلفها.
بكى بعضهم، وسكت بعضهم، وغنى آخرون أغنيتها القديمة، تلك التي كانت تُرددها أيام الحصاد … يا حصادي ويا الزول السندني واقف
أبشِر.. جاب الله الخير، والليالي تعوف
ومن يومها، صارت ميسو جزءاً من الذاكرة. تُروى قصتها للأجيال، وتُردد أغنياتها البنات في الليالي الطويلة، وتُذكر في مجالس الحنين كأنها أسطورة. لم تعد ميسو، لكن لا أحد صدّق أنها رحلت. كانوا يقولون:
(يمكن ماشية تزور بلد تاني.. تفرّحهم شوية وترجع).
ولم ترجع.
ظل الناس يبحثون عنها بالأحاديث، في ليالي الشتاء الطويلة، يسألون بعضهم:
تتذكّر ميسو؟ كانت تقول (الناس تمشي للحصاد بالعَرَق، ونحن مشينا بــ (عشمان مرق).
ثم يضحكون أو يسكتون، كأنها ما زالت بينهم. وصارت أغنيتها الصغيرة، تلك التي كانت ترددها وهي تستقبل الصباح أوائل أيام الخريف، موروثاً لا أحد يعرف متى بدأ، ولا لماذا تملأ العين بالدمع كلما سمعوا كلماته كأنها مفتاح لبابٍ في القلب لا يُفتح إلا بالحزن الجميل.
وها هي الأجيال تمضي، وتأتي أخرى، وميسو لا تزال هناك، في الحكايات، في الأناشيد، في صورٍ لم تُلتقط، لكنها محفورة في العيون. لم تغب، وظل اسمها على ألسنة الذين عايشوا فترتها، وظل ظلها في الحقول، وظل طيفها يعبر الأزقة مع أول رائحة مطر كلما لاحت الرؤى .
وكلما نزل السمبر من السماء، رفع الناس رؤوسهم، وقالوا في صمت:
(ميسو جانا) …
ثم يبتسمون… ويواصلون الحياة.



